حيدر حب الله

290

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

تكون الأمور بحجم نشاط في قرية أو مسجد سيكون ذلك ممكناً ، لكن عندما نتحدّث عن سياسات ثقافية استراتيجيّة لدول أو مؤسّسات علميّة أو حوزات ومعاهد دينية أو مراكز وجامعات فكريّة كبرى ، فإنّ الأمر سيظهر بطريقة مختلفة تماماً ، لا سيما عندما نعرف أنّ الآخر في عصرنا حاضر وموجود وسينشر كتبه شئنا أم أبينا ، فإنّ نظام المصالح والمفاسد يقضي - أحياناً - أن ننشر نحن فكره مع نقده ، قبل أن ينتشر فكره منفصلًا عن نقده . . هذه رؤى في العمل الثقافي تختلف كثيراً عن الرؤيّة الأوليّة التي جاءت في هذا الدليل . وسأذكر هنا مثالًا تقريباً لهذه الذهنية في وزن المصالح والمفاسد ، وهي كلام للشهيد الصدر في رسالة له إلى السيد محمد الغروي ضمّنها موقفاً من التلفزيون ، حيث كان السيد الصدر يستشكل شرعاً في اقتناء التلفزيون ، لكنّه أجاز بيعه ، وعندما برّر في هذه الرسالة ذلك قال : « وأمّا مسألة التلفزيون ، فنحن سمحنا ببيعه وشرائه التجاري ؛ لأنّ المنع من ذلك لا يؤدّي إلى التقليل من استعماله ، بل يؤدّي فقط إلى زيادة أرباح التاجر غير الورع ؛ إذ في الواقع الخارجي لا يمكن أن نفترض أنّ الباعة كلّهم متدينون ، فإذا افترضنا بائعَين أحدهما متديّن دون الآخر ، وكان معدّل ما يبيعه كلّ منهما عشرة ، فإذا منعنا من البيع ، فسوف يمتنع أحدهما دون الآخر ، وهذا يعني أنّ الآخر سوف يبيع عشرين ، وبهذا لم نصنع شيئاً إلا تكثير أرباح التاجر الثاني ، وهذا بخلاف المنع من الاقتناء ؛ فإنّه يؤدّي إلى تقليل المقتنين ولو في الجملة . هذا كلّه بناء على عدم إدراج التلفزيون في آلات اللهو وكون المنع عنه بعنوان تقليل الفساد لا بالعنوان الأوّلي ، وأما لو كان من آلات اللهو لكان بيعه ممنوعاً بالعنوان الأوّلي ، سواء