حيدر حب الله
256
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
أو الفكر الضالّ أو القول الضالّ الباطل . . أما توسعة المورد لحالة ما إذا لم يكن الشخص هو قائل الزور ، فهذه تعدية مبالغٌ بها لا يمكن من النصّ أخذها ضمن هذا الترتيب ، فالآية تنهى عن قول الزور وقول الضلال ، أمّا قراءته وحفظه وعدم منعه وغير ذلك فهذا ليس بقول ، كما أنّ من يقول الزور بظنّ أنّه الحقّ لا يكون مشمولًا لهذا النصّ على مستوى المؤاخذة وتحمّل المسؤوليّة ؛ لأنّ المفروض أنّه يراه حقّاً ، فلا يرى أنّ الآية تخاطبه أساساً ، بل يكون معذوراً حينئذٍ شرط عدم التقصير . فغاية ما تفيد الآية - لو عمّمناها - حرمة قول الضلال ، بأن يقول الشخص الضلالَ ، ويتبنّاه ويدعو إليه ، أما نشر ما قاله الآخر من ضلال أو نقله أو حفظه في كتب أو السماح للآخر أن يقول ، فهذه كلّها لا علاقة للآية بها إطلاقاً . المشكلة الثالثة : لو أخذنا بالتفسير الإطلاقي المدّعى للآية الكريمة ، لزم الإفتاء بما لا يقبل به المستدلّ نفسه ، فإطلاق الاجتناب يستدعي حرمة سماع الضلال والكذب وشهادة الزور ، وحتى الحوار مع الكافرين والضالّين وأمثالهم ، بل عندما يفسَّر الزور بمطلق الباطل - كما أريد - يلزم أنّ ما يراه المفسّر أو الفقيه باطلًا عند مفسّرٍ أو فقيه آخر ، أن يتجنّبه تماماً ، وهل يلتزم أحدٌ بمثل ذلك ؟ ! فالإنصاف أنّ هذه الآية القرآنيّة لا علاقة لها بموضع بحثنا ، إلا بالمقدار الذي أشرنا إليه ، وهو حرمة أن يقول الإنسان الضلال ويختاره ويسير معه ويدافع عنه ويقوم بتقويته ، وهذه الحرمة لا تنجّز فيها إلا بعد فرض علمه بكونه ضلالًا ، لا مطلقاً ، وهذا المقدار من واضحات الشرع ، ولا يحتاج للاستدلال عليه إلى آيةٍ بعينها ، وأمّا موقف الآخرين من الضلال ونشره ، فهو ما لا علاقة للآية الكريمة به .