حيدر حب الله

229

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الصعب البرهنة عليه ، ثم حتى لو برهنّا عليه فهل يمكن أن نضع للفقيه ضوابط تبعده عن الذاتية وكلّ أشكال الخلفيات القبلية والتحيّزات اللاشعوريّة ؟ وأساساً ماذا نريد من وراء رصد خلفيّات الفقيه ؟ هذه الملاحظة تواجه مشاكل : أولًا : لا يمكن نزع أحد عن كلّ أشكال الخلفيات المعرفية ، وليست الدعوى سلب هذه الخلفيات عنه ، بقدر ما هي محاولة اكتشاف ولو بعضها ؛ لتحليله من زاوية صحّته بوصفه أصلًا موضوعاً وعدم صحّته ، وهذا المقدار كافٍ في تحسين جهد فيلسوف الفقه . ثانياً : ليست دراسة هذه الأمور من نوع الدراسات الرياضية حتى تخرج بنتائج حاسمة ، وإنما يكفي فيها حشد الشواهد والقرائن المنبّهة التي تدفع الإنسان للاطمئنان بالنتيجة . بل في تقديري قد لا نحتاج في بعض الأحيان إلى الجزم بالنتائج بقدر ما نحتاج إلى لفت النظر إلى أنّ الفقيه من الممكن جداً أن يكون قد وقع في استنتاجاته تحت تأثير عناصر اجتماعية معيّنة ، الأمر الذي يسمح بإصدار توجيهات لتنبيه الفقيه من هذا المنزلق ، كي تكون نتائجه أكثر موضوعيةً . ثالثاً : إنّ ما نريده من وراء رصد خلفيّات النشاط الفقهي ، هو فهم الظاهرة فهماً أعمق ينفتح على تعدّد في الاحتمالات ، مثلًا يتصوّر الكثيرون في الأوساط العلمية الدينية المدرسية أنّ الأفكار تأتي دائماً من أفكار . إنّ جهود فيلسوف العلم ، ومنه فيلسوف الفقه ، تُحدث قناعةً تدريجية أنّ الأفكار قد تولد من سياقات اجتماعية وردود أفعال تدريجية على مستوى الاجتماع الإنساني ، وعندما يمارس الفقيه نفسه