حيدر حب الله
206
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
العقليّة السياسيّة والإدارية للسيد الخميني رأت في هذا الرقم مؤشراً على وجود شيء يتصل بإدارة المجتمع عامّة . المثال الثاني : كان الفقه الإمامي سابقاً متشدّداً في قضية الثابت والمتغيّر ، ويتمسّك بالإطلاقات الزمكانية للنصوص ، وقلّما كنّا نجد عند الفقيه الإمامي حديثاً عن حكم صدر لخاصية زمانية ( أحكام ولائية أو تاريخية ) ، لكن لنرصد الفقه في نصف القرن الأخير ، ولنتطلّع إلى حجم تنامي الفهوم التاريخية عند الفقهاء وكيف صاروا يفسّرون الكثير من النصوص بأنها ذات طابع تاريخي . وكمثال على ذلك قضايا رؤية الهلال ، والحث على التناسل ، وأصناف الزكاة وأنصبتها ، والسبق والرماية ، والاحتكار ، وصنع التماثيل ، والنهي عن لبس السواد ، ومقادير الديات ، وزكاة النقدين ، ومسألة الرقّ وأنّه من المعاملة بالمثل ، وخمس أرباح المكاسب و . . وظهرت فكرة الحكم الولائي عن المعصوم مع السيد الصدر وغيره ، أو ما سمّاه الشيخ المنتظري بالأحكام الموسميّة ، وما يسمّيه الشيخ شمس الدين بالأحكام التدبيرية ، وغير ذلك مما فصّلناه في محلّه « 1 » . إنّ المطالع للفقه من الخارج يجد هذا التغيّر ، وقد يستطيع التنبؤ بأنّ خوض الفقيه الشيعي حالة المتغيّرات السياسية والاجتماعية في القرن العشرين بعد عزلة طويلة ، ترك أثراً على طبيعة فهمه للنصوص ، فصار يرى فيها ما لم يكن يره من قبل ، وصار يعي بوجدانه العفوي الناتج عن الخبرة الحياتية أنّ فترة 300 سنة تقريباً لا يمكن أن لا تمرّ فيها متغيّرات تستدعي أحكاماً مرحلية ، أو صار يعي أكثر فأكثر طبيعة الصيرورة في الحياة السياسية والاجتماعية .
--> ( 1 ) حيدر حب الله ، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي : 732 - 743 .