حيدر حب الله
183
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وهل هناك نظام لغوي ودلالي حكيم يطلق الكلام ليفيد معنى معيّن دون أن يكون هذا المعنى هو المراد الحقيقي للمتكلّم ، معتمداً في فهم المعنى الحقيقي له على معطيات نظريّة تحليلية توصّلت إليها البشريّة بعد قرون مع الفلسفة والعلم وغيرهما ؟ ! ومهما حاولنا تصوير الدلالات الظنية واستفدنا من نظام الحقيقة والمجاز في اللغة فسنبقى مطالَبين بالجواب عن هذه الأسئلة المتقدّمة ، ما لم نغيّر من فهمنا لبنية الخطاب القرآني فنقول - من الأوّل - بأنّه خطاب نخبوي لا يُفهم إلا بعد تطوّر العلوم ، وقد كان مضطراً لإفادة عكس مراده للعوام قبل تطوّر العلوم للعجز عن صياغة فكرته بغير ذلك ! ! من هنا ، فنحن نعتقد أنّ قضايا من نوع التجسيم والتشبيه والعصمة والمعاد الروحاني والجسماني وقدم العالم وحدوثه وعلوم الأنبياء والأولياء وإمكاناتهم التكوينية ورؤية الله وغير ذلك ، لا يمكن حلّ إشكالية الآيات الدالّة في موردها عبر القول بالتأويل ، خضوعاً للعقل ، وتسمية ذلك توفيقاً ومصالحة بين العقل والنقل ، فإنّ المصالحة تقع عندما يظلّ كلا المصدرين المعرفيين على مكانته ونحاول اكتشاف أنظمة داخل كلّ مصدر معرفي تستطيع إخراجنا بنتائج ترفع التنافي والتعارض ، أما صرع أحد المصدرين المعرفيين لصالح الآخر تحت اسم التأويل فهذه ليست مصالحة بل صرع ومصارعة . ولهذا نفترض أنّ حلّ مثل هذه الإشكاليات يكمن في التفتيش داخل نظام اللغة القرآنية عن مؤشرات تعدّل تصوّرنا الأوّلي عن المراد من هذه الآيات ، وإلا فلا مناص من الإقرار بوجود تعارض مستقرّ يفرض علينا إما إعادة النظر في أصل المصدريّة المعرفية المضمونة للكتاب أو العقل ، أو في فهمها وإعادة اكتشافها مرّةً