حيدر حب الله
173
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
ه - - التقدّم الترجيحي للكتاب الكريم على السنّة الشريفة ربما يقصد بنظريّة التقدّم القرآني - وهو ما احتمل « 1 » أنّه مراد الشاطبي من نظريّته هنا - أنّه إذا تعارض القرآن مع السنّة ، يقدّم القرآن حينئذٍ ولا يؤخذ بالسنّة ، فلا تستوعب نظريّة التقدّم القرآني غير حالات التعارض . وهذا الكلام صحيح من جهة ، ولا موضوع له من جهةٍ أخرى ، وذلك أنّه : أ - إذا كان المقصود بالسنّة هو السنّة الواقعيّة ، أي واقع ما صدر عن النبي ، فلا معنى - طبقاً لنظرية العصمة وحتى غيرها إلى حدّ ما - لفرض تعارض بين الكتاب والسنّة ، إلا إذا كان تعارضاً بدويّاً ، أو صورة تعارض موهومة ؛ فنظريّة تقدّم القرآن لا معنى لها في هذه الدائرة ، لعدم وجود مصداق لها حينئذٍ . ب - وأما إذا كان المقصود هو السنّة المحكيّة ، مثل أخبار الآحاد ، فمجال الحديث وارد ، ونظرية سقوط حجية السنّة المحكيّة الظنيّة بمعارضة القرآن صحيحة وثابتة ، وقد درسناها دراسةً موسّعة في موضعه ، وأثبتنا - على مستوى صياغة القاعدة ومنهجيّتها - ليس فقط سقوط حجيّة الخبر بمعارضة الكتاب ، وإنّما عدم ولادة الحجيّة في أيّ خبر إلا بعد عرضه على الكتاب للتأكّد من أنّه غير معارض له ؛ فنظرية التقدّم القرآني بهذا التفسير الخامس لها صحيحة . هذا ، وقد تعرّضنا في محلّه بالتفصيل لمسألة تقدّم الكتاب على السنّة ، وأدلّة ذلك ، وكذلك مسألة السنّة المؤسّسة ودورها في موضوع التقدّم ، فلا نعيد ولا نطيل ، فليراجع « 2 » . وإنّما أحببنا هنا فتح النوافذ لتأسيس أصول فقه قرآني .
--> ( 1 ) انظر : الموافقات 4 : 392 ، الهامش . ( 2 ) انظر : حيدر حب الله ، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي ، قراءة وتقويم : 573 - 597 .