حيدر حب الله
160
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الحكم بنفسه ، بل لسدّ الطريق أمام المكلّف عن اختراق حكم آخر أو لفتح الطريق أمامه للاقتراب من حكم آخر . ومثال ذلك - وهذا مجرّد مثال ، كان طرحه شيخ الشريعة الإصفهاني ، وتابعه عليه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي « 1 » - الحكم بحرمة العصير العنبي المطبوخ مطلقاً ما لم يذهب ثلثاه ، حذراً من التورّط في شرب المسكر من حيث لا يعلم المكلّف ذلك ؛ على أساس أنّ هذا العصير يسرع إليه الإسكار لو تُرك . ومن أمثلة ذلك ما طرحه الشيخ مكارم الشيرازي أيضاً « 2 » من تحريم الجلوس على مائدةٍ يُشرب عليها الخمر ، فهذا الحكم قد لا تكون فلسفته في نفسه ، بل في سدّه الطريق أمام تورّط المكلّف في شرب الخمر نفسها ، فيكون حكماً للحماية . والنصّ المثير للدهشة هو ما قاله الميرزا القمّي - وهو أحد أبرز الذين فتحوا باب إثارة هذه الفكرة مبعثرةً في كتبه « 3 » - : « . . ولمّا كان أغلب أحكام الشرع من باب سدّ الأبواب وحماية الحمى . . » « 4 » . إنّ فكرة الأحكام التحفّظيّة التي فصّلنا الكلام فيها في موضعٍ آخر تعيد رؤية الإنسان لمنظومة الشريعة بشكل كامل ، وتضع أحكاماً أصليّة تقع في مركز الدائرة ، وأحكاماً للحماية تحيط بنقطة المركز ، ولا يبعد - كما بحثنا في محلّه - أن تكون مجموعة
--> ( 1 ) الإصفهاني ، إفاضة القدير : 129 - 130 ؛ ومكارم الشيرازي ، التعليقات على العروة 1 : 66 ؛ وانظر له أيضاً : أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة ) : 366 ؛ وتفسير الأمثل 1 : 539 . ( 2 ) مكارم الشيرازي ، تفسير الأمثل 1 : 539 . ( 3 ) انظر : جامع الشتات 3 : 51 ؛ ورسائل الميرزا القمّي 1 : 211 ؛ وغنائم الأيّام 1 : 223 ، 423 ، و 5 : 226 ، 266 . ( 4 ) غنائم الأيّام 1 : 223 .