حيدر حب الله

144

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

البيان الثالث : ما أفاده مثل المحقّق الخراساني ، من أنه رفع الحكم إثباتاً ودفعه ثبوتاً « 1 » . وهذه البيانات الثلاثة ترجع - حسب الظاهر - إلى روح واحدة أريد الكشف عنها وإن كان المجال مفتوحاً للملاحظة عليها من ناحية فنيّة ، كما تطرّق له جماعة ، إلا أنّ المراد هو أن النسخ له بُعدان : بعدٌ ثبوتي ، ويتلخّص في أنّ الحكم منذ تحقّقَ في عالم الجعل والإنشاء كان محدّداً بحدوده الزمانية الخاصّة ، وبالتالي فإنّه بصورة طبيعيّة سوف يزول وجوده في ذلك العالم بارتفاع تلك الفترة وانقضائها . . ومجرّد ارتفاعه عن رتبة الفعليّة دون المرتبة الإنشائية لا يكون نسخاً . وبُعدٌ إثباتي ، ويتلخّص في أنّ الذي يبدو إثباتاً في النسخ هو أنّ هناك رفعاً للحكم الذي كان ثابتاً وإلغاءً له . ولهذا توجد مفارقة بين عالمي الإثبات والثبوت ؛ فإنّ ما يُبديه عالم الإثبات هو عمليّة رفعٍ للثابت ، وأمّا واقع الأمر وعالم الثبوت فهو ارتفاع ذاتي يحسن تسميته بالدفع ، فالحكم بالنسبة لي كأنه بالنسخ قد ارتفع ، ولكنّه بالنسبة إلى الله كأنّه بالنسخ قد انتهى أمده الذي حدّد له من الأوّل . وهذه القضيّة لابد من الانتباه إليها ؛ لأنّ تشوّشها يوجب الوقوع في محاذير عديدة من وجهة نظرهم . هذا ما طرحه العلماء ، أما ما نفهمه نحن من تحليلنا للظواهر التشريعيّة في القرآن الكريم فهو أنّ النسخ ظاهرة تشريعية عامّة تلتقي عند عنوان واحد ، وهو قيام المشرّع بوضع حكم في دائرة معيّنة كانت مشمولةً سابقاً لحكم آخر ، ولو كان الحكم الآخر

--> ( 1 ) انظر : كفاية الأصول : 239 .