حيدر حب الله
131
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
بيان حكم شرعي أو تأسيس قواعد أو مبادئ شرعيّة ، قال سبحانه : ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( النحل : 75 - 76 ) . فإنّنا لو لاحظنا السياق اللفظي للآية ، وضممناه إلى الآية اللاحقة ، مع الأخذ بعين الاعتبار قول من قال بأنّ السورة مكيّة ، لفهمنا أنّ الله تعالى لا يريد هنا تأسيس حكم شرعي في العبيد ، وإنما هو بصدد ضرب مثال لشخصين أحدهما له الفعاليّة والقدرة وثانيهما عاجز غير قادر ، وأنّ هذين لا يشبهان بعضهما ، فيريد أن يقارن في الآية الأولى - كما في الثانية - بين الفعل والخمول ، وبين النشاط والكسل ، وبين العمل والترك ، وهذا المثال كما يمكن أن يستقي بنوده من واقعٍ شرعي كذلك - لأنّه مجرّد مثال - يمكن أن يأخذه من واقع عرفي ، فليس في مقام بيان حكم شرعي . وحيثية التمثيل لا تستدعي حكماً شرعياً بل تُشبعُها الحالةُ العرفية الغالبة أيضاً ، كما في المثال الثاني ، فيصعب مع هذا السياق اللفظي - وهو سياق التمثيل إلى جانب السياق الزمني ، وهو السياق المكّي المعروف بعدم وجود تشريعات فيه ، لا سيما لقضايا من هذا النوع - أن نلتزم بأخذ حكمٍ شرعيّ من هذه الآية الكريمة . إلا أنّه كيف نعرف أنّ الآية الواحدة نزلت كلماتُها معاً حتى تشكّل قرينةً متصلة وسياقاً لفظياً واحداً ؟ ألا يمكن أن تكون بعض جمل الآية قد نزلت على حدة وبعض جملها الأخرى قد نزلت في مواضع أخرى ، ثم وضعت الجملتان معاً ، إما بأمر من الرسول صلى الله عليه وآله أو بغير ذلك ؟