حيدر حب الله
35
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الجهة التي توجّه الاستخارة والدعاء لها ، لو كان هذا صحيحاً ، ما صحّ مجيء الآية الكريمة بهذا الخطاب الناهي عن أصل الاستقسام بالأزلام ، بل للزم القول : وأن تستقسموا بالأزلام عند الأصنام أو لغير الله ، تماماً كما قال في المقطع : ( وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) أي وما ذبح للنصب وتقرّباً لها ، وهي الحجارة التي وضعوها حول الكعبة وقدّسوها ، فكان من الحقّ أن يقول : وأن تستقسموا للنصب أو للأصنام أو منها وهكذا ، فمجيء النصّ ناهياً عن الفعل بالمباشرة لا على نتيجته ، ثم حذفه حيثيّة التحريم التي هي الأصنام لا نفس الاستقسام بالأزلام كاشفٌ عن أنّ القضيّة لا علاقة لها بموضوع الشرك والتوحيد ، ما لم يدّع في المرحلة السابقة ارتكاز مفهوم الشرك في هذه الظاهرة ومعروفيّة ذلك بين العرب ، وإثبات ذلك من خلال نصوص اللغويين والمؤرّخين والمفسّرين صعبٌ جداً . وربط ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ) بقوله ( وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) وإن كان محتملًا لكنه ليس بظاهر . المحاولة النقديّة الثالثة : وهي ترى أنّ ما جرى عليه العرب كان يهدف معرفة الغيب ، أما الاستخارة فلا يراد منها ذلك ، ولا يقصد منها سوى الدعاء لله تعالى كي يحسم المستخير موقفه ويرتفع عنه تردّده ، ولهذا ورد النهي عن التفأل بالقرآن الكريم ؛ لأنه يشبه فكرة الاطّلاع على الغيب ، فأنت بالاستخارة تعرف أنّ الأمر فيه الخير سواء وقع أو لم يقع أو كيف وقع وأنه الأصلح ، فهي طلب لمعرفة الرشد في الأمر لا أنّها طلب لمعرفة الغيب « 1 » . ويمكن تعميق المسألة أكثر من جهة أنّ الاستخارة نهايتها معرفة مراد الله في أن نفعل أو لا نفعل لا معرفة عواقب الأمور وخفيّات المستقبل ، ومن هنا اعتبر
--> ( 1 ) الكلبايكاني ، بحث حول الاستقسام : 6 ؛ وفضل الله ، القرعة والاستخارة : 127 .