حيدر حب الله
52
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الرفع الذي يعدّ من أشهر الأحاديث النبوية المستدلّ بها على البراءة الشرعية ، وما ذكره الأصوليون هناك في محلّه ، من حيث سياق الحديث في تعبيره « عن أمتي » ونحو ذلك . لكن هل يعني ذلك أنّ أصل البراءة امتنانيٌّ مطلقاً ؟ يبدو لي أنه لابد للخروج بهذه النتيجة من ملاحظة نوعية الأدلّة التي تسوق إلى أصل البراءة ، فإذا التزمنا بالبراءة العقلية ، فإنّ مقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، أنّ تمام الموضوع هو عدم البيان المتحقّق في مثل موردنا ، فلا معنى لفرض الامتنان فيه ، فإذا لم يكن حديث الرفع شاملًا لمقامنا ؛ لما بيّنه العلامة شمس الدين ، لكنّ هذا لا يعني عدم شمول البراءة العقلية للمورد ، وحتى البراءة الشرعية ببعض ألسنتها مثل : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ( الإسراء : 15 ) . لا تفيد ذلك ؛ فإذا بني على أنّ المدرك الوحيد للبراءة هو حديث الرفع وأمثاله ممّا كان مسوقاً مساق الامتنان لم يمكن إجراء البراءة هنا ، وإلا فلا موجب للمنع عن إجرائها في المقام . قد تقول : لا معنى بعد البراءة العقلية لأصل الامتنان في حديث الرفع ، ولعلّ في ذلك نقداً متنياً على هذا الحديث نفسه أو بطلاناً للإشكال المتقدّم . والجواب : إنّ الرفع قد يعبّر عن عدم الوضع في المورد الذي يمكن فيه الوضع ، فالمولى سبحانه يمكنه أن يضع المؤاخذة في مورد عدم العلم بأن يجعل الاحتمال منجزاً ، كما جعل الظنّ منجزاً ، فيكون الامتنان في أنّه لم يجعل ذلك عليهم مع أنّ نطاق مولويته يسمح له بذلك ، وهذا لا يبطل مضمون القاعدة العقلية ؛ لأنها تقضي بعدم العقاب حيث لا بيان ، فيمكن للمولى البيان في أنه يرى تمام الاحتمالات منجّزة ويخرج المورد عن تحت القاعدة بالحكومة أو الورود ، دون إبطال القاعدة نفسها ، فالامتنان يكون بذلك ، وعليه فيبقى الامتنان في حديث الرفع على حاله من هذه الجهة في أنه لم يجعل التنجيز في مورد عدم البيان مع قدرته على البيان وفرض التنجيز في نهاية المطاف .