حيدر حب الله

56

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

بيّن ذلك أنّ الآية تضفي صفة الإيمان على المقتتلين ، مع أن عبد الله بن أبيّ وجماعته كانوا منافقين ، فلا يصحّ إطلاق لفظ الإيمان عليهم ، حتى طبق المجازات التي سلف الحديث عنها « 1 » . لكنّ هذه الملاحظة غير واضحة ، وسببها دخول عبد الله بن أبيّ في القصة - وهو المنافق المعروف - لكن الرواية لا تحكي عن أن الجماعة التي وقفت معه كانوا منافقين أيضاً ، إذ لعلّهم كانوا مؤمنين حرّكتهم العصبية القبلية معه لا غير ، لا بغضاً برسول الله ، تماماً كما توحيه بعض الأخبار المتقدّمة ، ومن ثم وإن كان سبب الحرب شخصاً منافقاً إلا أنّ أطراف القتال كانوا من المسلمين . والنتيجة التي نخرج بها من مطالعة الآية هي دلالتها على حكم جهاد أهل البغي بالمفهوم العام للبغي ، وذلك ضمن مسلسل الخطوات والغايات التي طرحتها ، فالاستدلال بهذه الآية على جهاد أهل البغي تام ، كما هو تام على مبدأ الإصلاح بين المسلمين . وانطلاقاً من ذلك كلّه ، نعرف أنّ القرآن الكريم لم يؤسّس لأيّ صراع في الداخل الإسلامي ، إلا إذا صدق عليه عنوان البغي بالشكل الذي بيّناه ، هادفاً من ذلك حماية الفريق المظلوم في الأمّة ، أيّ فريقٍ كان ، ورغبةً منه في قلع مادّة الانقسام والتمزّق والتمرّد والتعدي ، وهذا المبدأ عقلانيّ لا يتعارض مع الأصول السابقة التي أصّلها القرآن نفسه ، بل يمكن الجمع بينه وبينها في مثل مبادئ الرحمة الإيمانية والألفة القلبية ؛ بأنّ آية البغي طلبت مقاتلة البغاة ، لكنّها لم تطلب الغلظة والحقد والكره لهم ، فيمكن أن يريد القرآن محاربة البغاة رأفةً بهم ومحبّة ، كالطبيب المجبر - حبّاً بالمريض وإرادة خير به - أن يخضعه لعملية جراحية ، ولعلّ في سيرة الإمام

--> ( 1 ) الآصفي ، الجهاد : 128 ، الهامش .