حيدر حب الله

50

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

وهذا ما يقود إلى ملاحظة ، وهي أن أكثر الأبحاث الفقهية ركّزت في الحروب الداخلية بين المسلمين على جهاد البغاة - بالاصطلاح الفقهي الخاص - مستندةً إلى هذه الآية الكريمة ، دون أن تفتح عنواناً أوسع ، تحت شعار الحرب الإسلامية - الإسلامية ، أو الحروب الداخلية بين المسلمين ، ربما لأن القضية في الحروب الداخلية بين المسلمين في القرون الأولى غلب عليها ثنائي : السلطة والمعارضة ، وهذا ما يؤكّد ما قلناه من ضرورة تعميم العنوان ؛ لأن هذه الآية العمدة هنا تصلح حكماً لما هو أبعد من فقه جهاد أهل البغي بالمعنى الفقهي المصطلح ؛ لا سيما بقرينة أسباب النزول القادمة الإشارة إليها . 3 - إنّ الظاهر من هذه الآية وجوب مقاتلة الطائفة الباغية ؛ لظهور صيغة الأمر فيها في ذلك : ( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) ، كما أن منتهى مقاتلهم هو ارتداعهم عما كانوا عليه وإقلاعهم عنه ، وهذا ما يشهد عليه تعبير : ( حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ ) ، فليس الهدف قتلهم ، بل عودهم إلى الحقّ ، وهذه نقطة مهمّة ، تلمح إليها بعض الروايات الواردة في حكم البغاة الذين ليس لهم فئة . 4 - إن الآية ظاهرة في وجوب البدء بالطرق السلمية في مواجهة الطرف الباغي ، وأن مجرّد بغيه لا يبرّر خوض الحرب معه ، فلابدّ من استنفاد تمام الطرق السلمية لوقف القتال ، وإن فشلت الجهود ، تمّ البدء بمحاربة الظالم من الطرفين ، وقرينة ذلك أن أوّل الأوامر في الآية بعد فرض الاقتتال هو : ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) ، وهو ظاهر في الترتيب والتقديم ، وإعطاء الأولوية لمبدأ الإصلاح . 5 - الظاهر من الآية - بقرينة التعبير بالطائفة - أنها تتحدّث عن معركة بين جماعتين لا عن معركة فرد مسلم مع آخر مثله ، وإن قيل بالتعميم لسبب أو لآخر ،