حيدر حب الله
39
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الأوس والخزرج ، بل قيل : إنّه مذهب أكثر المفسرين « 1 » ، لكنّهما لا تقفان عندهم - كما هو واضح - لعدم وجود خصوصية في الرسالة التي تريد الآيتان أن تعطيها ، ما دامت العلّة واحدة وهي الإسلام بحسب معطى الآية الأولى نفسها لا سيما بقرينة ضمّها إلى الآية الثانية ، وما دام عموم المؤمنين يشمل الأنصار والمهاجرين و . . فقد كانت بينهم عداوات كبيرة جداً لا تخفى على أيّ مطلع على تاريخ العرب الجاهليين ، لكنّ الله - مع ذلك - صيّرهم قلباً واحداً بنعمة الإيمان ؛ والملفت أنّ الآية الأولى استخفّت بالدور المادي في توليف القلوب في حين أعطت القدرة للدور المعنوي وهو الدين ، فإذا كانت كلّ أموال الدنيا لا تستطيع أن تؤلّف القلوب ؛ فذلك لأنّ عملية التأليف القلبي لا تقف عند حدود العلاقة الطيبة أو التحالف السياسي أو الاشتراك في المصالح ، بل تتعدّاه إلى ما هو أبعد من ذلك ، وهو أمر لا يمكن للعامل المادي عادةً أن يفعله ؛ لهذا ركّزت الآية على أنّ الدين قادر على عملية التوحيد والتوليف أكثر من قدرة العناصر المادية على ذلك ، وهذه نقطة مهمة ؛ بل يمكن أن نضيف ما ذكره الفخر الرازي ( 606 ه - ) في تفسيره من أنّ سبب عداوة العرب لبعضهم كان المال والمصالح المادية فألّف الإسلام بين قلوبهم لجعله القيم المعنوية هي المعايير في الحياة ، ثم لمّا عادت هذه المصالح إلى المسلمين بعد وفاة النبي عادوا للتصارع مرّةً جديدة « 2 » ، وهو ما تشير إليه التحليلات العرفانية لابن عربي ( 638 ه - ) في تفسيره أيضاً « 3 » .
--> لعلوم التنزيل 2 : 68 ؛ وتفسير الثعالبي 3 : 151 و . . ( 1 ) تفسير السمعاني 2 : 276 ؛ وابن عطية الأندلسي ، المحرر الوجيز 2 : 548 ؛ وأبو حيان الأندلسي ، تفسير البحر المحيط 4 : 510 ؛ والشوكاني ، فتح القدير 2 : 322 . ( 2 ) الفخر الرازي ، التفسير الكبير 15 : 190 . ( 3 ) ابن عربي ، تفسير القرآن الكريم 1 : 282 - 283 .