حيدر حب الله

23

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

أنّ بعض مكاسبه الجزئية هذه ما هي سوى تكريس لانقسام الأمة وتمزقها وتشرذمها ، وأنه باستمراره في طلب المكاسب الفرعية هذه والفرح بها يكرّس واقع التراجع في الأمة ؛ لهذا نسبت الآية الفرح إلى الأحزاب ولم تنسبه للأمة ، وجعلت الفرح على ما عنده وليس على ما عند الأمة ( بِما لَدَيْهِمْ ) ، وهذا هو الغرور المعرفي الذي يكرّس القطيعة في الأمة ، فيفرح بما عنده ، ولايفرح بما عند غيره . وهذا الحصر مستفاد من تقديم ( بِما لَدَيْهِمْ ) على ( فَرِحُونَ ) ؛ فكأنه لا يفرح إلا بما لديه ، وأما ما عند غيره من أمّة الدين والتدين ، فليس بموجب فرحاً عنده . وبمارسة التأمل في استخدام كلمة « فرحون » في اللغة العربية ، نجد أنّ القرآن الكريم لم يطلقها غالباً على السرور الإيجابي ، بل أطلقها في موقع الذمّ ، ومن ذلك قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) « 1 » ؛ فالفرح هنا لا يقصد منه السرور ؛ ولهذا فسّر بالبطر « 2 » ؛ للجزم بعدم حرمة الفرح في الإسلام ، وبناءً على ما ذُكر في التفريق بين الفرح والسرور ، فإنّ الفرح قد يكون بأمرٍ لا نفع فيه ولا لذّة ، على خلاف السرور الذي لا يكون إلا فيما فيه نفعٌ أو لذّة على الحقيقة « 3 » ، فيفهم أن استعمالات القرآن الكريم للفرح غالباً كانت للإشارة إلى شيء يفرح به الإنسان لكنه قد يكون خالياً من الفائدة والمنفعة الحقيقية ، فكأنّ فرحه به مصداقٌ لقوله تعالى : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) « 4 » ، تماماً كفرح ملكة سبأ بهديتها التي أرسلتها إلى سليمان ، فقد

--> ( 1 ) القصص : 76 . ( 2 ) انظر : الجوهري ، الصحاح 1 : 390 . ( 3 ) الفروق اللغوية : 277 . ( 4 ) الكهف : 103 - 104 .