حيدر حب الله
93
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الدين لله ، لأن رفع الفتنة بالقتال معناه أنّ الطاعة ستكون كلّها لله لا للأصنام فقط ولا شركة بين الله وغيره . يضاف إلى ذلك أنّ الغائية هنا المدلول عليها ب - ( حتى ) غائية لوجوب القتال لا للقتال الواجب ، بمعنى أنّه يجب عليكم القتال بصرف النظر عن تحديده ، والغاية من ذلك ( تشريع وجوب القتال من حيث المبدأ ) رفع الفتن وصيرورة الدين مهيمناً ، لا أنّ نهاية وضع السلاح ووقف إطلاق النار هو صيرورة الدين كلّه لله ، وهذا له نظير كثير ، تقول لولدك مثلًا : أنا أضعك في المدرسة حتى تصبح طبيباً ، مع أنّ المدرسة تنتهي قبل أن يكون طبيباً ، فيكون المؤدى بعبارة أخرى : إن الجهاد دفاعاً عن الجماعة المسلمة يساهم في هيمنة الدين الحق ؛ لهذا وجب ، تماماً مثل قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( التوبة : 33 ) ؛ بناء على تفسير الإظهار بالغلبة المادية ، فقد توفي الرسول الذي أرسله الله ولم يتحقق هذا الإظهار ولا حصلت هذه الغلبة ، دون أن يعني ذلك أنّ الإرسال لم تكن غايته الإظهار ولم يساهم فيه ولو تحقق بعد حين . والذي يعزّز هذا التفسير في آية سورة البقرة أنّ السياق بأكمله هو سياق الدفاع ؛ إذ جاء : ( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ( البقرة : 190 - 194 ) ؛ فهذا السياق بقرينة :