حيدر حب الله
62
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
المهم أن نبحث هذا الموضوع ، الذي قلّما تعرّض الفقهاء القدامى لأصل شرعيّته ؛ لهذا افترضوه واضحاً ، ولا نجد عندهم كثير جدلٍ وكلام في مبدأ الجهاد الابتدائي أو جهاد الدعوة في الإسلام ؛ من هنا ، يمكن أن يُبحث هذا الموضوع مجدّداً من زاوية فقهية اجتهادية تقرأ الأدلّة الشرعية ، لتنظر في مديات دلالتها على هذا النوع من الجهاد . والبحث في الجهاد الابتدائي يقع على مرحلتين : إحداهما تعريف هذا الجهاد وتحديد مفهومه ومقوله ، كي لا يحصل التباس في النقطة التي يدور حولها البحث والتنقيب ، وثانيهما في حكمه من حيث الشرعية وعدمها ومن حيث الوجوب وعدمه ، وفي الإطار الثاني نبحث تارةً عن شرعية هذا الجهاد وكذلك دليل وجوبه ، ثم نبحث مرّةً أخرى في الأدلّة على عدم شرعيته من رأس ووجود ما يمنع تسويغه في النصوص الدينية والأدلّة الفقهية ، لكن ونظراً لسعة البحث وطوله نقتصر هنا - بعد تحديد مفهوم الجهاد الابتدائي - على دراسة نظرية شرعيّته وتقييمها ، تاركين البحث في أدلّة عدم شرعيته إلى فرصة أخرى ، إن شاء الله تعالى . 1 - الجهاد الابتدائي الدعوى التحريري ، البُنية والمفهوم والحقيقة يقصد بالجهاد الابتدائي ، ابتداء المسلمين للكافرين بالحرب بهدفٍ واحد هو الدعوة إلى الإسلام وبذل الجهد لجعلهم مسلمين أو خاضعين للمسلمين ، فإن كان الكفّار مشركين أو مطلق غير أهل الكتاب ، وضعوا أمام خيارين هما : القتل أو الإسلام ، وإن كانوا من أهل الكتاب وضعوا أمام خيارات ثلاثة : إما أن يسلموا ، وإما أن يخضعوا ويصبحوا من أهل الذمّة فيدفعون الجزية ، وإما أن يُقتلوا « 1 » ؛ ولهذا
--> ( 1 ) هذا ما يفهم من كلمات الكثير منهم ، وانظر : محمد مهدي شمس الدين ، جهاد الأمة : 73 ، 107 ، 113 .