حيدر حب الله
33
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
بحثنا هذا الأمر في محلّه « 1 » ، وسبب عدم تقبّل هذه الفكرة قد يكون هذا العيش الطويل في نظام لغة النخبة التي هي عموماً لغة دقيقة حاسمة ومحدّدة الأطراف ، على خلاف نظام لغة العامّة من الناس - إذا جاز التعبير - فهي لغة محدّبة تقوم على التسامح والتساهل في التعبير ، بصرف النظر عن المضمون ، فلا ملازمة بين عرفية وعوامية التعبير وبين سطحية المضمون ، فالأنبياء والأوصياء استخدموا اللغة العرفية ، دون أن يكون المضمون سطحياً إطلاقاً . إنّ العيش في لغة الشارع والسوق مهم جداً ، إلى جانب لغة النخبة ، ليعرف الفقيه طرائق البيان العرفية ، وطرائق فهم التطبيق وليس أن يسمع بوجود طرائق بل يعيشها بنفسه ، ولهذا ينقل عن بعض المراجع الكبار المتوفى في القرن العشرين ، وهو السيد البروجردي ، أنه كان في بعض المواضع يطلب بعض أهل السوق ليسألهم كيف يفهمون هذا التعبير أو ذاك ؟ وماذا يفهم عندهم من إطلاق المعاملة هنا أو هناك ؟ بدل أن يحلّل لوحده على طريقة الأصل أو القدر المتيقن أو ما شابه ذلك ، فهذه الطريقة التي تنقل عن هذا المرجع الكبير طريقة مثلي بحقّ في فهم النصوص وفهم تطبيقاتها الميدانية أيضاً . وأختم كلامي في هذه النقطة - والحديث يطول جداً - بكلام رائع للشيخ محمد رضا النجفي الإصفهاني ( 1362 ه - ) - أستاذ السيد الخميني - حين يقول في مباحثه الأصولية ما نصّه : « بلغني أن بعض فضلاء العجم اطّلع على أجزاء من هذا الكتاب ، فقرّظه أبلغ تقريظ ، وأثنى عليه أحسن الثناء ، ولكنه انتقد عليه بعبارة فارسية محصلها : إن عبارته عريقة في العربية ، لا تشبه متعارف الكتب الأصولية . لك العتبى أيها الفاضل ! فلك عليّ يدٌ لا أجحدها ، ونعمة أشكرها ، وذلك مني
--> ( 1 ) حيدر حب الله ، حجية السنّة في الفكر الإسلامي : 111 - 113 .