حيدر حب الله

16

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

لجعل الواقع مؤثراً - معرفياً وإيبستمياً - بالنص ، فتتقيّد بذلك حركة النصّ طبقاً لمتطلّبات الواقع . ولعلّ مثالًا مبسّطاً غير مفرط لهذا النوع من التفكير ، هو ما جاء في كلام السيد محمد باقر الصدر في كتاب « اقتصادنا » ؛ فقد لاحظ الصدر أنّ الاجتهاد السائد في المدارس الفقهية هو اجتهادٌ يتعامل مع النصوص ونظام الحجيّة وبراءة الذمّة ، لهذا فعندما يواجه أيّ إنسان حالةً ما في الحياة فإنه يرجع إلى ما تتطلبه منه النصوص الدينية ؛ لكي تبرأ ذمّته أمام ربه سبحانه وتعالى ، ومهما كانت نتائج البحث الفقهي فإنها لن تبدو ذات ثغرات عندما نطبّقها على حياة فردية شخصية ، اللهم إلّا نادراً ، أما عندما نريد تطبيقها على حياة مجتمعيّة وعلى مستوى الأمّة والدولة ، فإن شيئاً من عدم الانسجام سوف يحصل داخل نتائج البحث الاجتهادي ، وعندما واجه الصدر هذه المشكلة في إطار رسم معالم مشروع اقتصادي متكامل ، اندفع - بقطع النظر عن التبرير الفقهي - إلى طرح فكرة الأخذ بالاجتهادات المختلفة للفقهاء عبر الزمن ، وتركيب مكوّن جديد متوالف ومنسجم فيها ، وهذا التوالف هو توالفٌ يفرضه الواقع ، لكنه على الصعيد النصّي لمجتهدٍ ما ليس انسجاماً في نتائجه من حيث تبعيّتها للأسس الاجتهادية والأدلّة ، كما هو واضح . هذا اللون من التفكير يضغط الواقع لتبنّيه ، تماماً كما نجد اليوم نزوعاً نحو المقاصدية في التشريع وعودةً إلى طروحات الشاطبي ( 790 ه - ) ، حتى في بعض الأوساط الشيعية ، اعتقاداً بأن المقاصديّة يمكنها التجاوب مع الواقع بشكلٍ أفضل ، كما وهناك حديث جادّ عن فقه المصلحة ، وهو حديث كان شبه محرّم في الوسط الشيعي الإمامي قبل نصف قرن من الزمن ، لكنّ تجارب الحياة وخوض الفقيه غمار تأسيس الدولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، فرض عليه تناول هذا