حيدر حب الله
99
حجية الحديث
منها ، أن تقوم بجدّ باختبارات ميدانيّة لموضوعة التواتر ؛ للتأكّد من فرص اليقين في حالات الإخبار المتعدّدة ، وحصول هذه التجارب وفقاً لعمليّات إحصائيّة سيكون نافعاً للغاية في تطوير رؤيتنا لهذا الموضوع ، فنحن نوافق على إدخال العقل الإحصائي في هذا المجال . وعليه يمكننا التعليق بعدّة نقاط : النقطة الأولى : إنّ المطالبة ب - ( رقمنة ) التواتر جيّدة ، لكنّها وقعت في مشكلة ، وهي أنّ التواتر عموماً لا يمكن ترقيمه علميّاً بصورة كليّة ؛ لأنّه موضوع متحرّك جداً كما يقرّ الناقدون هنا ، ومن ثمّ فبدل المطالبة برقمنة التواتر بوصفه نظريّة عامّة ، يجب المطالبة برقمنة مفردات التواتر عند ادّعائه هنا أو هناك ، وفرقٌ بين الحالتين . ومعنى ذلك أنّه عندما يُدّعى التواتر في قضيّة معينة أو نصّ معيّن في الحديث ، فيجب أن نقوم بعمليات تحليلية لكافّة الفروض الممكنة لحصول الكذب ، ثم دراسة كلّ فرض من هذه الفروض والإمكانات الاحتمالية المتوفّرة له وفقاً لمعطياتنا العلميّة ، ووفقاً أيضاً لنسبة جهلنا بالوقائع التاريخيّة المحيطة ، وبعد ذلك نقوم بقياس القيم الاحتماليّة ، فمثلًا لو ورد نصّ يثبت مدحاً لزعيم سياسي حكمت دولته خمسة قرون ، ورجعت النصوص المادحة لهذا الزعيم بأحمعها إلى عصر حكومته ، ففي هذه الحال ، مهما كثر عدد المخبرين فإنّ احتمال كونهم طامعين برضا السلطة أو خائفين منها طيلة فترة ممتدّة ، يمكن فيها اختلاق الأسانيد . . هذا الاحتمال سيبقى قائماً بقوّة ليهدم اليقين ، بينما لو حكم هذا الحاكم لمدّة وجيزة ثم جاءت النصوص المتكثّرة في مدحه عقب سقوط دولته ، مع كون الدولة اللاحقة معارضة له ، وفي الوقت عينه لا يوجد معارضين لهذه الدولة الجديدة ، ففي هذه الحال تغدو الأمور مختلفة . النقطة الثانية : إنّ الحديث عن عدم حصول يقين إلا من خلال الاختبار كما هي الحال في القضيّة التجربيّة ، قائمٌ على مصادرة معرفيّة مسبقة ، كرّستها العلوم التجربيّة ، وآمنت بها المدرسة الوضعيّة ، وسؤالنا هنا - والبحث ليس فلسفيّاً حتى نطيل فيه - : هل