حيدر حب الله

83

حجية الحديث

وقد برّر النائيني هذا الموقف بأنّ هذه الروايات الكثيرة المذكورة في التواتر الإجمالي إن كان بينها قاسمٌ مشتركٌ ما فيرجع التواتر الإجمالي إلى التواتر المعنوي ، ولا يصحّ تأسيس قسمٍ ثالث للتواتر ، وأما مع انعدام تمام القواسم المشتركة فلا وجه لحصول اليقين بصدق أحدها ؛ إذ يجوز الكذب في حقّ كلّ رواية من هذه الروايات في حدّ نفسها ، فأيّ خبر من هذه الأخبار نضع يدنا عليه فلن يحصل لنا يقينٌ به ، فما قيمة هذا التواتر وما هو مبرّر الحديث عنه ؟ « 1 » . وقد ردّ عليه تلميذه السيد الخوئي بأنّ احتمال الكذب في كلّ خبر بخصوصه لا ينافي العلم الإجمالي المتولّد في النفس ؛ إذ لو نافاه لبطل حتى التواتر اللفظي والمعنوي ، إذ فيهما لو وضعنا يدنا على أيّ خبر من الأخبار الواردة لاحتملنا فيه أيضاً الصدق والكذب ، فهل يقال بانعدام التواتر مطلقاً ؟ ! ومع ذلك جعل السيد الخوئي الوجدان أقوى شاهد وأوضح دليل على وجود هذا النوع من التواتر ، فكلّ إنسان إذا اطّلع على كتاب تفصيل وسائل الشيعة جزم بصدور ولو رواية واحدة من رواياته ، فكيف يمكن إنكار هذا التواتر الإجمالي ؟ ! « 2 » . والذي يمكن التعليق عليه هنا هو أنّ الميرزا النائيني كأنّه نظر إلى فائدة هذا التواتر ، فما دمنا غير قادرين معه على الأخذ بأيّ من هذه الأخبار ؛ لعدم حصول يقينٍ به ، فإنّ وجوده سيغدو كعدمه ، على خلاف الحال في التواتر اللفظي والمعنوي ، فإنّ الفائدة منهما واضحة ، وهي إثبات المضمون المشترك بينها ، إذاً فالذي دفع الميرزا إلى ذلك عبثية هذا التواتر وعدم رجوعه إلى محصّل وإن لم تطابق عبارتُه هذا المعنى ، ولهذا أشار إلى أنّ أيّ خبر نضع يدنا عليه لا يحصل لنا يقين به ، فليس قصده اليقين بهذا الخبر أو ذاك فحسب ، بل استطراق ذلك لحصول اليقين بمطلب ما حيث لا يتوفّر قاسم مشترك في البَين .

--> ( 1 ) النائيني ، أجود التقريرات 3 : 197 ؛ وانظر : الآملي ، مجمع الأفكار 3 : 184 . ( 2 ) الخوئي ، مصباح الأصول 2 : 193 ؛ وانظر : الروحاني ، زبدة الأصول 3 : 154 - 155 .