حيدر حب الله
717
حجية الحديث
فالعقل الإنساني في مسيرته اليوميّة تثبت له أشياء بنحوٍ أكيد وبطريقة موضوعيّة مقبولة ، لكنّ العقل البرهاني السينوي أو الأرسطي لا يعتبر هذه العلوم يقينياتٍ ، بل يسمّيها ابنُ سينا - كما سبق - ( شبه اليقين ) ، وهذا المفهوم الأرسطي لليقين والعلم تمّ إسقاطه على المعرفة الدينيّة ، فتصوّرنا أنّ العلوم العقلائية - وهي العلوم التي تبلغ في قوّتها الاحتمالية مرتبةً عالية جداً تدفع النفس لتحصيل الاطمئنان والسكينة بالثبوت - تصوّرنا هذه العلوم ظنوناً مع أنّها يقينيات في العقل الإنساني غير الأرسطي ، وقد ناقشنا سابقاً في هذا النفوذ اليوناني لمفهوم العلم في الثقافة الإسلاميّة ، ومن ثمّ خرجنا بالنتيجة التالية : كلّ علم عقلائي - وهو العلم الذي تبلغ القوّة الاحتمالية فيه مبلغاً عالياً تدفع النفس للسكينة والطمأنينة بثبوت الشيء بنحو موضوعي بحيث لا يُعير العقل بالًا للاحتمالات الضئيلة - هو حجّة ، سواء سمّاه الشيخ الرئيس ابن سينا يقيناً أم شبه اليقين . وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه التأصيل الاجتهادي الإسلامي الذي تأثر بالفلسفة العقليّة وأدبيّاتها ، فظنّ أنّ إثبات العلم العقلائي معناه إثبات حجيّة الظنّ ، وهذا خطأ كبير تمّ ارتكابه بفعل تداخل المفاهيم ، فالاطمئنان بمعناه الأصولي لا يعتبر عقلائياً ولا شرعاً ظنّاً بل هو علم ، وإن اعتبره الأرسطي شبه يقين ، فإذا كان حجّةً فلا يعني ذلك حجية الظنّ حتى نأخذ برتب الظنّ الأخرى التي لا تبلغ الاطمئنان . إنّ هذه النتيجة التي توصّل إليها هذا الكتاب تدفع للتخلّي عن كلّ مفهوم ( ديني ) لم يتمّ التأكّد منه موضوعياً واستقرائيّاً بالمفهوم المعاصر لكلمة علم ، والذي هو المفهوم العقلائي ، بل المفهوم الشرعي أيضاً كما شرحنا سابقاً ، لا بمفهومه السينوي والأرسطي ، ومن الطبيعي أن تترك هذه النتيجة - عدم حجيّة الظنّ غير الاطمئناني بالمصطلح الأصولي - تأثيراً ليس بالقليل ؛ إذ ستُعتبر الكثير من النصوص الحديثية ظنيّةً ، ومن ثم يجب تنحيتها عن المرجعيّة الاجتهاديّة في فهم الدين ؛ لأنّها غير مؤكّدة ، وهذا ما يتوقّع أن يُطيح بمجموعة ليست قليلة من الموروث الاجتهادي عند المسلمين ، شرط