حيدر حب الله
634
حجية الحديث
الظروف خاصّة ، كأن يمضي ارتكازهم العرفي على عدم تولية المرأة القضاء أو السلطة ، ونشكّ في أنّ هذا الإمضاء كان مقيّداً بوضع المرأة آنذاك من حيث الجهل والعجز وعدم المعرفة والتخلّف الاجتماعي أو لا ؟ فهنا يصعب التمسّك بالإمضاء ؛ لكونه دليلًا لبياً لا يحرز تعدّيه ولا إطلاق فيه ، لكنّ الاعتماد على الاستصحاب مشكل هنا أيضاً طبقاً لما ذكرناه في مباحث تاريخية السنّة « 1 » ، فلا نعيد ، فالصحيح الإجمال حينئذ ومن ثمّ الأخذ بالقدر المتيقن . وعليه ، فنحن نوافق السيد الصدر في نتيجة البحث هنا ، وإن خالفناه في كليّة الحاجة للاستصحاب في دليل السيرة . وهذا ما يدفعنا - استطراداً - للإشارة لأمر مهم جداً في فهم الظواهر الممضاة من قبل الشريعة في العصر النبوي ، فإنّ العرف لو كان قائماً على نوع من التعاقد الاجتماعي المتفق عليه بين أفراد الأسرة والمجتمع ، ويقضي بنوع ولاية وسلطنة للأخ على أخته ، ثم جاءت الشريعة وسكتت عن سلطنة الأخ على أخته ، ففي هذه الحال لا نستطيع اعتبار السكوت الشرعي دليلًا على ثبوت السلطنة في أصل الشرع ، بل هو دليل على رضا الشرع بالتعاقد الاجتماعي القائم والمنتج لهذه السلطنة ، وعدم ممانعة الشريعة من هذه السلطنة عندما يرضى بها المجتمع ويتوافق عليها الأفراد ، فإذا تغيّر العرف الاجتماعي وزال هذا التعاقد والتراضي المجتمعي لم تعد هناك سلطنة ؛ لأنّ هذه السلطنة متفرّعة على التعاقد الممضى شرعاً ، وليست ناتجة عن إثباتها بنفسها في أصل الشرع ، إذ ليس هناك نصّ صريح يتحدّث عن ذلك يحمل دلالة إطلاقيّة ، فما دمنا نحتمل جداً في الثقافة القبليّة والعشائريّة وجود توافق اجتماعي عام على هذه السلطنة ، فيكون إمضاء النبيّ إمضاءً لهذا التوافق ما دام قائماً ، فلو زال لا نحرز السلطنة في هذه الحال ، فليلاحظ هذا الأمر فإنّني أجده نافعاً جداً في الاجتهاد الشرعي على مستوى الإمضاءات
--> ( 1 ) راجع : حيدر حب الله ، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي ، قراءة وتقويم : 716 - 719 .