حيدر حب الله
616
حجية الحديث
آخر ، والضرورة تظهر في الحالة الثانية لا الأولى ، فالعقلاء في القضاء يفتقدون المرجعيّة المعرفية التي يبتّون بها ، ولذلك ينشلّ القضاء عملياً لو أريد الرجوع إلى الأصول العدميّة ، أما هنا فالمرجعيّة موجودة من عمومات ومطلقات وأصول عمليّة وأحكام عقليّة وعقلائية ومتشرّعية . يضاف إلى ذلك أمر بالغ الأهميّة ، وهو أنّه ليس كلّ خبر واحد يفضي إلى إعطاء مطلب إضافي ، فهناك - كما شرحنا بالتفصيل في مباحث حجية السنّة الواقعية من كتابنا حجية السنّة في الفكر الإسلامي - الآلاف من أخبار الآحاد تؤكّد المضامين القرآنية والعقلية أو تبرهن عليها أو تطبّقها على موارد أو هي ذات مضمون ولائي وحكومي مما سمّيناه هناك بالسنّة المطبّقة والإجرائية والمستدلّة و . . فالذي يبقى من أخبار آحاد ممّا ينتج فتاوى فقهية مختلفة إلهيّة أبديّة أقلّ بكثير مما يسقط عن الاعتبار منها من حيث حجيّة الصدور ، وهذه نقطة جديرة بالملاحظة ، فما نتكلّم عنه هو مقدار اليقين بفوات أحكام إلهية ثابتة لا أثر لها في الكتاب ولا السنّة المعلومة ولا العقل ولا سائر الأدلّة . وبهذا الذي بيّناه يظهر أنّ العقلاء إذا عملوا بخبر الواحد الظني فذاك في حال الضرورات النوعيّة الاستثنائيّة التي يقتضيها حفظ النظام ، أو من باب التساهل الناتج عن عدم أهميّة مضمون الخبر ، أما في القضايا الهامة كقضايا الدين والعقيدة والأعمال والأخلاق فهم لا يعملون بأخبار آحاد ظنية ، ولو سلّمنا عملهم هذا فهو ليس سيرة مستحكمة جارفة ، كما صوّرها الأصوليون المتأخّرون ، بل حالات محدودة يمكن فيها الردع بمثل آيات النهي عن اتباع الظن حينئذ . ولعلّ ما يؤكّد ما قلناه اهتمام علماء أصول الفقه الإسلامي من السنّة والشيعة ، ومنذ قديم الأيام بإقامة الأدلّة الشرعية كالآيات ومواقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حجيّة خبر الواحد ، فلو كان أمراً عقلائياً عادياً يسير عليه الطبع العقلائي مسيرةً مستحكمة ؛ فلماذا تجشموا عناء البحث والاستدلال الشرعي عليه ، ولم يلتفتوا إلى دليل السيرة العقلائية إلا في القرنين الأخيرين ؟ وإن كان قد يمكن الجواب عن هذه النقطة الأخيرة بأنه قد