حيدر حب الله
611
حجية الحديث
ولمعالجة تحليلية لظاهرة سيرة العقلاء ، نرى أنّ العقلاء يعتمدون بالتأكيد على اليقين والاطمئنان الذي هو العلم عندهم ، أما اعتمادهم على أخبار الآحاد الظنية ، فهو غير واضح أبداً إلا في حالات الضرورة التي يفقدون فيها مجال الوصول إلى المطلوب مع علمهم بأصل وجوده ، ووجود ضرورة في الوصول إليه ، مثل حالات العمل القضائي ، فإنّ إلغاء نظام البيّنة أو الشهود يوقع في كوارث اجتماعيّة ويعيق إرجاع الحقوق والحدّ من الجرائم وضبط النظام ، إذا قلنا بأنّه لا يفيد الاطمئنان نوعاً ، أما في المعاملات اليومية فكيف يمكن إثبات عملهم بالخبر الظني ؟ فأنت لو سمعت من شخصٍ ثقة خبراً ما ، لا يتبادر إلى ذهنك احتمال الخلاف ، سواء في الكذب أم الخطأ ؛ لأنّ احتمال الخلاف ضئيل ، ولهذا لو جاءك شخص غير ثقة وأخبرك خبراً فقد يحصل لديك ظنّ بإصابة خبره الواقع ؛ لكن لما كنت لا تثق به فإنك تتوقّف في اعتماد خبره ؛ وليرجع كلّ واحد منّا إلى وجدانه ، وليسأل عوام الناس ليرى أنّهم لا يلتفتون لاحتمال الخلاف بل يثقون بالخبر ويطمئنون به ، ولا ينقدح في ذهنهم أنّ عملهم هذا به لأجل حجيّته . ثم ، هل يعتمد العقلاء على أخبار الآحاد الظنية في قضاياهم الخطيرة ؟ فهل وجدنا زعيماً سياسياً وقائد دولة يعتمد على قول شخص ثقة لشنّ حرب على دولة أو أنّه يطلب من أجهزته التثبّت من هذا الأمر كي يحصل العلم أو الاطمئنان ؟ ! « 1 » ، فكيف
--> ( 1 ) ربما يستأنس هنا - كما يستوحى من بعضهم في أصل الموضوع لا في خصوص الخطير وغيره - بما أخبرنا به القرآن الكريم ممّا جرى بين النبي سليمان عليه السلام والهدهد ، فبعد أن أخبره الهدهد بخبر سبأ ، قال : ( قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ) ( النمل : 27 - 28 ) ، فإنّ سليمان لم يكتفِ بإخبار الهدهد - رغم تصديقه له - لاتخاذ قرار حرب ضدّ قوم سبأ ، كما تشير الآيات اللاحقة ، بل أرسله مجدّداً إليهم للنظر في جوابهم ( سامر إسلامبولي ، الآحاد - النسخ - الإجماع : 21 - 22 ؛ وانظر : علي حبّ الله ، دراسات في فلسفة أصول الفقه والشريعة ومقاصد الشريعة : 611 - 612 ) ، إلا إذا قيل بأنّ هجره لإخباره الأوّل كان على أساس أنّه لم تثبت وثاقته وحسنه عنده ، ولهذا قال له : ( قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ