حيدر حب الله

595

حجية الحديث

بسيرة المتشرّعة هنا بوصفها دليلًا مستقلًا ، وذلك أنّ المقصود بسيرة المتشرّعة تلك السيرة التي تكون ناشئةً عن الأمر الشرعي ، فإذا كانت هناك ظاهرة عامّة في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى - على المستوى الشيعي في تحديد عصر النصّ - تقضي بذهاب المسلمين إلى المساجد ، ولم يكن عندنا دليل لفظي مثلًا على استحباب الذهاب إلى المسجد ، كانت هذه السيرة كاشفة عن وجود أمر شرعي أو ترغيب ديني بالذهاب إلى المساجد ؛ لأنّ الطبيعة العقلائية لو خُلّيت ونفسها لا تستدعي الذهاب إلى المسجد أو . . ، فحيث لا يوجد منطلق غير ديني يبرّر هذا السلوك لم يمكن تفسيره إلا على أساس وجود منطلق ديني ؛ لهذا يمكن أن يُستدلّ بالسيرة المتشرّعية على استحباب الذهاب إلى المساجد مثلًا . أما لو فرضنا أنه كانت هناك عادة جارية بين المتشرّعة ، مثل قيمومة الزوج على الزوجة ، فهنا لا يمكننا الاستدلال بسيرة المتشرّعة ؛ لاحتمال أنّ هذه العادة منهم كانت لمنطلقات عرفيّة أو عقلائية أو عادات عربيّة قومية أو . . فلا يكون وجودها كاشفاً عن صدور تشريعٍ بشأنها ، نعم سكوت المعصوم عليه السلام عن هذه العادات قد يكون دليلًا على إمضائها ، وهذا غير السيرة المتشرّعية ؛ لأنّ حجية السيرة المتشرّعية من باب كشفها القطعي عن موقف الشارع كشفاً إنياً ، لا من باب سكوت الشارع عنها ، فهذا من شؤون السيرة العقلائية التي تكون حجيّتُها إمضائيةً على المشهور . وبناءً عليه ، لا نستطيع أن نتأكّد أنّ عمل المتشرّعة بأخبار الآحاد الظنية - إذا ثبت - كان منطلقاً من موقف ديني مسبق صادر عن الزعيم الديني لهم ؛ إذ من المحتمل جداً - ويكفي الاحتمال - أن يكونوا قاموا بذلك اندفاعاً عن مقتضى عقلائيّتهم ، وبهذا لا تكون سيرةً متشرّعية ، بل سيرةٌ عقلائية ممضاة ، فلا يكون دليل سيرة المتشرّعة مستقلًا حينئذ ، بل هو في واقعه راجعٌ إلى دليل سيرة العقلاء الذي سيأتي قريباً . وهذا الإشكال صحيح بشكل تامّ بالبيان الذي قرّبناه ، ولكنّه لا يبطل الاستدلال ، بل يبطل استقلاليّة الدليل فقط ؛ لأنّه قائم على فرض سيرة عقلائيّة ، ومن ثم يُخضع