حيدر حب الله

581

حجية الحديث

الشريف الجرجاني في حاشيته على تفسير الكشاف : « . . من وثق بشيء صار ذا أمن به ، وفسّر الأمن بالسكون والطمأنينة » « 1 » . وبهذا يظهر لنا أنّ « وثق » في اللغة ترجع إلى : الربط ، الشدّ ، الشدّة ، الإحكام والمحكم ، الإيمان ، العقد ، والأمن . واللغويون عندما كانوا يقولون : فلان ثقة ، لم يكونوا ليشرحوا لنا تفسير هذه الكلمة مباشرةً ، فيما يبدو أنّ ذلك كان لوضوحها . من هنا ، نستقرب أنّ كلمة ثقة في الاستخدام العربي الوارد أيضاً في الروايات تعني الشخص المأمون المركون إلى قوله ، وهذا المفهوم نجده أقرب إلى من يحصل الوثوق والاطمئنان عرفاً بقوله ، لا من يفيد قوله الظنّ ، فهذا اصطلاح أصوليّ متأخر ، وكلمات اللغويّين ليست مطابقةً للمفهوم الأصولي ، ولا أقلّ من خروج الروايات التي تعود لعصر الصادق ومن قبله ، عن دائرة الاستدلال هنا . والذي يعزّز ما ندّعيه بعض الشواهد ، فقد ورد في تفسير القمي دعاءٌ يقول : « الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره » « 2 » ، وهو أقرب إلى الاطمئنان منه إلى الظنّ ، وكذلك ما ورد في الروايات من تعبير « ثقتي » ، والذي اعتبره السيد الصدر غير دالّ على حجيّة خبر الواحد ، حيث نسأل : لماذا لم يكن ثقة الإمام مظنون الصدق إذا كانت كلمة ثقة تعني مظنون الصدق ؟ فيكون المعنى : هذا شخص هو عندي ممّن أظنّ بصدق قوله ، أفهل هذا يوجب الاطمئنان لنا بالصدق حتى لا نجعل الرواية دالّة على الحجية ؟ ! إنّ هذا يؤكد أنّ السيد الصدر رجع إلى الروح اللغوية هنا من حيث لا يشعر ، فاقترب من مفهوم الاطمئنان والعلم العرفي . ومن هذا النوع ، تعبير الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة : « من وثق بماء لم يظمأ » « 3 » ، مما

--> ( 1 ) الجرجاني ، الحاشية على الكشاف : 127 . ( 2 ) تفسير القمي 1 : 89 ؛ والصافي 1 : 289 ؛ ونور الثقلين 1 : 274 . ( 3 ) نهج البلاغة 1 : 39 ، الخطبة : 4 .