حيدر حب الله
57
حجية الحديث
أخبر بعضهم عن علم فيما أخبر البقيّة عن ظنّ ، أمكن في بعض الحالات تحصيل العلم من مراكمة القوّة الاحتمالية الظنيّة في أخبار الظانّين مع القوّة الاحتماليّة اليقينيّة في أخبار العالمين ، ولا ضير في ذلك من حيث المبدأ بصرف النظر عن فرص التطبيق والوقوع . وفي بعض الأحيان قد يكون الأمر على العكس تماماً ، فلو كان الظانّون معروفين بالدقّة والتثبت على خلاف المتيقّنين ، فإنّ توقفهم في العلم بوقوع الأمر قد يوجب التشكيك في يقين المدّعين لليقين ، فلا ينضمّ الظن لليقين ليولّد علماً أو يؤكّده ، بل ينضمّ إليه ليشكّك فيه ، وهذا ممكن الوقوع أيضاً ، فليلاحظ . كما أنّ شرط الحسيّة يجب أن يضاف إليه شيء مكمّل ، وهو أن لا تكون طبيعة الأمر المحسوس ممّا توجب وهماً أو خطأ في الحواس غالباً ، فلو كانت كذلك انخفضت القيمة الاحتماليّة لكلّ خبر من أخبار الرواة ، كما لو كان يلقي كلمةً من على المنبر ، وحصلت ضجّة في المكان ، فإنّ إمكان التباس بعض الكلمات على السامعين وتوهّمهم سماع كلمات شبيهة بالكلمات التي صدرت واقعاً يصبح وارداً بقوّة ، وكذا لو كان المتكلّم ثقيلًا في نطقه وسمعوا منه جملةً ، فإنّ احتمال التباس السمع عندهم مع ما نطق به وارد كذلك . من هذا المنطلق ، نرى أنّه لابدّ من فرز الروايات ، فالروايات التي تتّسم بطابع حسّي بحت يكون حصول اليقين فيها أسرع ، خلافاً للروايات التي قد يحتمل فيها امتزاج تفسير الراوي للحدث مع نقله لوقائعه ، فحبّ الراوي للمرويّ عنه قد يجعله يفسّر تصرّفه تفسيراً حسناً ، فينقل لنا مزيجاً من الحدث ومن الصورة الحسنة الموجودة في ذهنه عنه ، فيكون تلقّيه الصورة مختلفاً عن الذي لا يتخذ هذا الموقف النفسي ، وكذا لو كان يبغضه فهو يمزج الوقائع بموقفه ، وربما يكون المزج غير واعٍ ، بمعنى أنّ الراوي نفسه لا يلتفت إليه ، من هنا يلزم مراعاة هذا الأمر جيداً في تحليل النصوص الواصلة . وهكذا الحال فيما لو نقل الراوي كلاماً بالمعنى لا باللفظ ، فإنّ تعبيره عن المضمون يتأثر بمستوى فهمه اللغوي والعلمي وغير ذلك ، كما تقدّم .