حيدر حب الله
55
حجية الحديث
يحمله من قصد فاعلي سلبي ، بقدر ما يصدق مفهوم التقائهم على الكذب ، ولو بدافع قهري ، بل ربما بدافع أخلاقي في بعض الأحيان ، كما في حالة الوعّاظ الذين قد يختلقون نصوصاً بداعٍ أخلاقي ، وقد اشتهر الكذب في أوساطهم كما يقول المحدّثون . وبهذه المناسبة نشير إلى أنّه قد انحاز بعض الباحثين المعاصرين لقضيّة التنوّع هنا ، فطرح شرطاً في حصول التواتر في الفضاء الإسلامي يتفرّع على مسألة التلاقي الفكري والعقدي بين الناقلين للخبر ، وهو أنّه يشترط فيهم التنوّع المذهبي والعقدي ، فلو لم يتنوّعوا مذهبياً وعقديّاً فلا يحصل التواتر ، بل إنّ اختصاص أهل مذهب برواية دون سائر المذاهب أمرٌ مؤذنٌ بضرورة الفحص والتتبّع ، وقد مثّل لذلك بالنصوص المتصلة برؤية الله تعالى وتجسيمه وظهور المهدي المنتظر وغير ذلك « 1 » . ولكنّ هذا الكلام غير صحيح على إطلاقه ؛ فإنّه لو حصل التنوّع كان مؤذناً بتسارع حصول اليقين من التواتر ، أمّا لو لم يحصل فلا يلغي وجود التواتر دوماً ، كما لو تواتر نقل الإماميّة عن إمامهم جعفر الصادق ، والحنفية عن إمامهم أبي حنيفة وهكذا ، بل إنّ بعض الموضوعات قد تكون هناك مصلحة تبرّر تجاهل سائر المذاهب للنقل فيها بما لم يسمح بوقوع تنوّع في الناقلين ، وهذا الاحتمال يجب أخذه بعين الاعتبار . وعلى أيّة حال فما ذكره هؤلاء الباحثون تنبّهٌ جيّد في الجملة ؛ لأنّ انحصار نقل بعض الوقائع النبويّة مثلًا بطائفة معيّنة ، لا سيما لو لم تشكّل أغلب المسلمين ، ولم يكن هناك من مصلحة في إخفاء سائر المسلمين لهذه الحادثة . . هذا الأمر يثير التحفّظ ويزيد من التشكيك بالخبر بدل أن تكون كثرة ناقليه موجبةً لليقين ، فهذا مؤشر عكسي يفرض البطء في حصول
--> ( 1 ) انظر : العدوي والمحرمي والوهيبي ، السنّة الوحي والحكمة 2 : 19 ؛ يشار إلى أنّه نُسب القول بلزوم كون المخبرين في التواتر متعدّدي الديانات إلى اليهود ، كما نُسب لبعضٍ مجهول شرط أن يكون المخبرون من بلدان متعدّدة وأنساب متعدّدة ، فانظر : العلامة الحلّي ، نهاية الوصول 3 : 325 - 326 .