حيدر حب الله
445
حجية الحديث
الصورة النقديّة التي قدّمها الأصوليّون - لا سيما من تأخّر منهم - من نقّاد علم الأصول بعض الملاحظات ، رغم القبول ببعض أجزاء هذه الصورة ، وهذه الملاحظات هي : الملاحظة الأولى : إذا كان السياق هنا دالًا على أنّ المراد بأهل الذكر هم علماء اليهود والنصارى ، لكنّ هذا لا يعني إلغاء البُعد الإطلاقي في الآية الكريمة ؛ إذ لا خصوصيّة في هذا الإرجاع إليهم ، فإذا كان يصحّ الرجوع إليهم والتعبّد بخبرهم فإنه يصحّ ذلك في غيرهم ؛ لأنّ الآية تكون حينئذ دالّة على مصداق لقاعدة عقلائية في الرجوع إلى أهل الذكر ، لا أنه يوجد حكم تعبّدي خاصّ بهذا المورد ، إذ ليس الحال هنا حال قضايا عبادية قد لا تُعرف ملاكاتها ، وإنما الغرض من الإرجاع الاحتجاج بقولهم والتعبّد به والأخذ بمضمونه ، لا سيما وأنّ الخطاب موجّه لعوام اليهود والنصارى أو لقريش وأمثالها ممّا لا معنى لمخاطبتهم بتعبّديات تشريعية بحتة وهم لم يؤمنوا بالدينالإسلامي من رأس ، فهذا الإرجاع له أساس عقلائي ، فإذا تمّت إفادته حجيّة الخبر وأنّ هذا هو الأساس العقلائي ، فلا معنى للتخصيص بالسياق ، بل تكون الآية مرشدةً للقاعدة في هذا المورد الخاصّ « 1 » . بل قد يقال بأنّ الإرجاع لأهل الكتاب في تاريخ الأنبياء - لو صحّ - فهو إرجاعٌ منتمٍ إلى باب حجيّة الأخبار ، لأنّهم يخبرون عن أنبيائهم وأحوالهم ، فبالأولى أنّ يُرجع إلى المسلمين في تاريخ نبيّهم أنفسهم ، وهو تاريخ يتمثل في سنّته القوليّة والعمليّة والتقريريّة ، فإذا كان خبر اليهودي عن نبيّه حجّةً ، فخبر المسلم عن نبيّه حجّة كذلك . وهذه النقطة لم يدفع الناقدون تأثيرَها هنا ، نعم هذه الملاحظة مبنيّة على بعض المصادرات القبليّة ، كما سيظهر قريباً .
--> ( 1 ) بعد تدويني لهذه الملاحظة في الدورة السابقة قبل سنوات ، رأيت مضمونها الأساسي مذكوراً عند السيد محمّد سعيد الحكيم ، في المحكم في أصول الفقه 3 : 253 ؛ وتلوح أيضاً من كلمات الشيخ محمّد المؤمن ، في تسديد الأصول 2 : 94 ، فاقتضى التنبيه .