حيدر حب الله
428
حجية الحديث
وربما يمكن تطوير عمليّة التفسير هنا ، بالقول : إنّه لا يلزم على عامة المسلمين النفر للقتال ، بل تنفر فئة منهم ، وهذا كلّه - أي عدم نفر الجميع - إنما هو كي يتفقّه المسلمون في الدين ، بالمباشرة أو بالواسطة ، فيكون ليتفقّهوا راجعاً إلى النفي في صدر الآية ، وتكون نسبته إلى عموم المسلمين لا لفئة واحدة ، سواء النافرة أم القاعدة ؛ إذ هذا هو السبيل لتفقّه الأمّة الإسلامية ، فالخطاب للأمّة لا للأفراد . ويناقش هذا التطوير بأنه عاجز عن تفسير ذيل الآية : « إذا رجعوا إليهم » ما دام الخطاب للجميع ؛ إلّا أن يقال : إنّ « قومهم » يراد منه الكفّار لا المسلمين ، وهو ضعيف بأنّ ظاهر المقابلة بين النفر والرجوع هو الوحدة . نعم ، لو طوّر أنصار هذا الاتجاه استدلالهم عبر فرض أنّ النافرين للجهاد هم عينهم النافرون للعلم ، بتقريب أنّ النبيّ كان يخرج معهم في الغزوات الكبرى من المدينة ، لا أنّ القاعدين هم الذين كانوايبقون معه ليتعلّموا ، فيصبح معنى الآية منسجماً - تاريخيّاً - وهو : حيث لا يمكن نفر الجميع ؛ فلينفر جماعة للجهاد والعلم ، حيث يكون النبي معهم ، فعندما يرجعون للمدينة ينذرون من بقي فيها مما تعلّموه من النبي في رحلة الجهاد المندكّة بالعلم ، فهذا التطوير أفضل تطوير سياقي تاريخي ومنسجم مع السياق الخارجي والداخلي للآية ، والغريب أنّهم لم يذكروه فيما رأيت . الاتجاه الثاني : أن لا تكون هناك فئتان أصلًا ، بل فئةٌ واحدة هي الفئة النافرة للجهاد ، ويكون معنى الآية أنّ على المسلمين أن يُخرجوا للقتال فئةً منهم لا جميعهم ، وهذه الفئة المقاتلة هي التي تتفقّه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت هي إليهم « 1 » . وهذا التفسير لا يحتوي على افتراض تقدير ، بل هو تفسيرٌ منسجم مع نفسه ، إلّا أنه يواجه تساؤلًا أساسياً ، إذ كيف يحصل للطائفة النافرة تفقّه ، وهي في معرض القتال لا في معرض الفهم والعلم كما تفيده مادّة فقه ؟ !
--> ( 1 ) الطبري ، جامع البيان 11 : 69 - 70 .