حيدر حب الله
352
حجية الحديث
إلا أنّ الإنصاف أن يقال : إنّ تجويز العمل بخبر العادل لا يمكن أن يكون ذا منشأ تعبّدي ، فالأخبار إنّما يتمّ التعامل معها - من حيث الاعتماد عليها وعدمه - انطلاقاً من كاشفيّتها عن الواقع وطريقيّتها إليه ، فلو كان يمكن العمل بخبر العادل فهذا يعني أنّ له كاشفيّة عن الواقع مقبولة ، وهذا هو التعبير الآخر عن منحه الحجيّة ، وهكذا لو لم يجز العمل بخبر الفاسق إلا بعد التبيّن ، فإنّ هذا ليس له معنى عرفي وعقلائي سوى أنّه لا اعتبار به في نفسه ، بل لابدّ من اتخاذ سبيل آخر لتبيّن الواقع ، فأيّ معنى حينئذٍ للتخيير بين العمل به وعدم العمل به ؟ ! وعليه ، فالصحيح في فهم وجوب التبيّن هنا هو أنّه إرشاد إلى عدم الحجيّة وضرورة التثبّت من الواقع ، فيكون المفهوم - لو ثبت - هو إثبات حجيّة خبر العادل ، ولو في الجملة ، وقد قلنا بأنّ الثبوت في الجملة تُشبعه أمثال حجيّة البيّنات القضائيّة . ونكتفي بهذا القدر من الاحتمالات لخروج سائرها عن الروح العرفيّة . 2 - الاستدلال بآية النبأ عبر مفهوم الشرط ، عرض وبيان الصيغة المبسّطة للاستدلال بمفهوم الشرط هنا هي أنّ في الآية جملةً شرطية ، وإذا ثبتت قاعدة مفهوم الشرط ، نطبّق تلك القاعدة على الآية ، فينتج المفهوم منها ، وذلك أنّ : أ - المنطوق : إذا جاء الفاسق بالنبأ وجب التبيّن . ب - المفهوم : إذا لم يأت الفاسق بالنبأ لا يجب التبيّن . وعليه ، فمجيء العادل بالنبأ يندرج في المفهوم ، فلا يجب التبيّن في مورده ، فيكون حجّةً . وبعبارةٍ أخرى : مفهوم الشرط يعني انتفاء سنخ الحكم عن الموضوع عند انتفاء الشرط ، وهذا معناه هنا انتفاء سنخ وجوب التبيّن عن الخبر عند انتفاء مجيء الفاسق به ، أي عند مجيء العادل به ، وهذا ما نريده « 1 » .
--> ( 1 ) راجع : الرازي ، المحصول 4 : 366 ؛ ومعالم الدين : 191 ؛ والفراء ، العدّة في أصول الفقه 2