حيدر حب الله

327

حجية الحديث

علم » « 1 » ، وقال ابن فارس : « جهل : الجيم والهاء واللام أصلان : أحدهما خلاف العلم ، والآخر الخفّة وخلاف الطمأنينة ، فالأوّل الجهل نقيض العلم . . » « 2 » . وهذا النص الأخير - بضمّ اشتقاق الجهالة من الجهل - يقدّم افتراضاً جديداً ، وهو كون معنى الجهالة هو الخفّة والسذاجة والسفاهة ، وهو الشيء الذي ذكره بعض الأصوليين كما سيأتي إن شاء الله « 3 » ، وسوف نتحدّث عنه هناك ، ولعلّ ما يؤيّد - لغوياً - كلامَ ابن فارس هو ما ذكره ابن الأثير في النهاية من تفسير الحديث القائل : من استجهل مؤمناً فعليه إثمه ، قال : « أي من حمله على شيء ليس من خلقه » « 4 » . لكنّ الإنصاف أنّنا لم نجد في كلام اللغويين والمفسّرين من أعطى للجهالة معنى السفاهة ، إلا ما يستوحى ممّن ذكرناهم ، وإلا فالمتبادر عندهم هو الجهل وعدم العلم ، وإن كان اللسان العربي في قضيّة العلم والجهل مرتبطٌ بالعمل عادةً ، أكثر مما هو بمحض النظر ، أي بالحكمة العمليّة أكثر من النظرية ، لا سيما مع عدم أنس العرب بالأبحاث النظريّة والفلسفية آنذاك . ولهذا تجد أنّ القرآن الكريم أطلق عنوان الجاهل أو الجاهلين وقصد منه شيئاً ذا صلةٍ بجانب العمل ، قال تعالى : ( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) ( البقرة : 67 ) ، فاعتبر أنّ اتخاذه لهم هزواً هو جهل ، وهو في الحقيقة تعبير عن نتائج الجهل التي تدفع بالإنسان عمليّاً لتصرّفات غير واعية ، وقال تعالى : ( قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) ( يوسف : 89 ) ، اي إذ أنتم تتصرّفون تصرّفاً جاهلًا صبيانيّاً ، وفقاً لما ذكره بعض المفسّرين « 5 » ، وقال سبحانه : ( وَنادى نُوحٌ

--> ( 1 ) الفراهيدي ، العين 3 : 390 . ( 2 ) معجم مقاييس اللغة 1 : 489 . ( 3 ) مال إلى هذا المعنى أيضاً : السيستاني ، حجية خبر الواحد : 47 . ( 4 ) ابن الأثير ، النهاية في غريب الحديث 1 : 322 . ( 5 ) انظر : مجمع البيان 5 : 400 .