حيدر حب الله

30

حجية الحديث

حجر الزاوية في انطلاقة المعرفة الإنسانيّة ، وهذا يعني أنّ كلّ معارف البشر النظريّة ترجع إلى معارف ضروريّة قهريّة غير ناتجة عن نظر أو تجربة ، وإنّما يقوم النظر والتجربة عليها . ووفقاً لذلك لزم التأمّل في هذه المعارف القبليّة جيداً ، وهذا ما فعله الفلاسفة والمنطقيّون ، حيث وضعوا هذه المعارف القبلية على شكل مجموعات أو فئات ، ثم أخذوا بالبحث فيها كونها تشكل المبادئ الأولى التحتية للمعرفة الإنسانيّة . وفي هذا السياق أيضاً ، تعرّضوا لمجموعة من أنواع القضايا ، مثل : الأوّليات والتجربيات والمتواترات والحدسيات والفطريات والمشاهدات ، وفق ما بحثوه في باب البرهان والصناعات الخمس من علم المنطق ، حيث تحدّثوا هناك كذلك عن موادّ الأقيسة ، مثل : اليقينيات والمظنونات والمشهورات والمسلّمات والمقبولات والمشبهات والمخيلات والوهميات « 1 » ، فيما كانوا قد بحثوا في باب القياس نفسه عن هيئة القياس . ويقول المنطق الأرسطي : إنّ البرهان هو السبيل الوحيد للحقيقة الحاسمة ، وإنّ أيّ وسيلة أخرى لن توصل العقل الإنساني إلى معطيات مؤكّدة بالمعنى الفلسفي الخاصّ ، وقد شرط المناطقة في البرهان أن تكون جميع مقدّماته يقينية ، إذاً فمقدّمات البرهان من نوع اليقينيات المدروسة في موادّ الأقيسة ، وأحد أنواع اليقينيات عندهم هناك هو المتواترات ، فإنّ التصديق بالتواتر كالتصديق بالحس والتجربة يقع - كما يقول ابن سينا « 2 » - على وجه الضرورة الظاهرة ، وهذا يعني أنّ التواتر يمثل أحد أنواع القضايا اليقينية التي تشكّل الموادّ الخام لصناعة القياس من النوع البرهاني . وقد عرّف أنصار المذهب العقلي التواترَ بعين ما جاء تعريفه في كلمات الأصوليين

--> ( 1 ) انظر الحديث عن مبادئ الأقيسة وموادها عند : محمد رضا المظفر ، المنطق 3 : 313 - 342 . ( 2 ) انظر : ابن سينا ، منطق الشفاء 3 : 63 .