حيدر حب الله

209

حجية الحديث

عقلائيّاً وعقليّاً فهذا هو الظنّ ، وأمّا الترجيحات ( الظنيّة ) أو العلوم التي تقوم على معطيات موضوعيّة ، ويعمل بها العقلاء ، فهذه خارجة عن الموضوع أساساً ، سواء طابقت الواقع أم لا ، وسواء سمّيت علماً أم لا . إلا أنّ هذه المداخلة - رغم جمالها - لم أجد عليها أيّ شاهد لغوي أو قرآني يفسّر الظنّ بهذا المعنى ، حتى لو كان ما وصفه القرآن بالظنّ في الآيات هو - مصداقاً - من هذا النوع ، وقد تقدّم التعليق على كلام الشيخ يوسف القرضاوي الذي ربط الظنّ بهوى النفس ، وقلنا بأنّ الآية لو لم تدلّ على التغاير فلا تدلّ على الاتحاد بين الظنّ والهوى النفسي كما هو واضح . والتطابق المصداقي المشار إليه لا يوجب تقييد الظنّ بخصوص ما كان غير مبرّر بعد سائر الآيات والقرائن الحافّة في المقام ، والمتصلة بالموضوع عينه ، حيث تعمّم الأمر كما هو واضح . إذن ، ففي كلّ مورد كان هناك استقرار نفسي واطمئنان ، ولو كان ظناً بالمصطلح المنطقي أو الفلسفي أو عبّرنا عنه بشبه اليقين ، فيكون مشمولًا لدليل حجيّة العلم ، وفي كل مورد لم يكن هناك هذا الاستقرار جرى دليل عدم حجيّة الظنّ أو عدم العلم ، وسرت الآيات الناهية هنا . وبناء على ذلك كلّه ، فإنّ الآيات هنا تنهى عن اتباع السبل التي لا تحوي بيّنة علميّة على الشيء تفيد استقرار النفس ، غايته قد يُلتزم بأنّ هذا الاستقرار النفسي يجب أن يكون نابعاً من معطيات موضوعيّة لا من أهواء نفسية ، كما ألمحت إلى ذلك الآية الكريمة : ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) ( النجم : 23 ) . فالآيات الناهية إنما تنهى - بعمومها أو إطلاقها - عن أخبار الآحاد غير الموثوق بصدورها حتى لو كان الراوي ثقةً ، ولا تنهى عن الخبر الموثوق بصدوره ، فلا تنفي حجية الخبر الموثوق المطمأنّ به . كما أنّ دعوى كون الآيات هنا آبيةً عن التخصيص قريبةٌ ، لكنّها غير قاطعة كما تقدّم . وبهذا يظهر أنّ حجية الاطمئنان - الموضوعي على الأقلّ - لا تكون ثابتةً بالسيرة