حيدر حب الله

205

حجية الحديث

ويتعزّز تقابل الظنّ مع العلم بوصف الثاني محقّقاً لليقين والاستقرار بقوله تعالى : ( وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) ( الجاثية : 32 ) ، وقوله تعالى : ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) ( النساء : 157 - 158 ) ، وقوله سبحانه : ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ) ( الأنعام : 148 ) ، فقد وضعت الآية الأولى الظنّ في مقابل اليقين ، بينما وضعت الثانية والثالثة الظنّ في مقابل العلم ، ومنضمّاً - في الآية الثانية - إلى الشك . ه - - إذا راجعنا الآيات التي يستدل بها هنا ، سنلاحظ أكثر من مجموعة : المجموعة الأولى : ما ورد بلسان النهي عن اتّباع غير العلم ، دون استعمال لكلمة الظنّ أو الشكّ ، مثل قوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ) ( الإسراء : 36 ) ، وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) ( البقرة : 167 - 168 ) . ومن الواضح - بعدما تقدّم - أنّ العلم هو الاعتقاد المفضي إلى اليقين بوصفه صفةً نفسانيّة ، فكلّ من ينكشف له الواقع انكشافاً عن بيّنة وسلطان أوجبا موضوعيّاً استقرار النفس ، بحيث يجد نفسه يرى الواقع ، فهذا عنده علم ، ومن ثمّ فالظنون والأوهام والشكوك ليست علماً ، فهذه المجموعة تنهى عن اتباعها ، ويكون الاستدلال بها تامّاً . المجموعة الثانية : ما ورد بلسان التنديد باتباع الظنّ ، مثل أنّهم لا يتبعون إلا الظنّ وإن هم إلا يخرصون ، وفي بعضها وقع ذلك مقابل العلم . قال سبحانه : ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ )