حيدر حب الله

195

حجية الحديث

لم يصح الاتكال على الظنّ في ذلك أيضاً ، بل المقصود أنه لما قضى الدليل الظني بعدم حجيّة الظنّ قضى ثبوت الحجيّة بعدمها ، وما قضى وجوده بعدمه فهو باطل « 1 » . وهذا الكلام متينٌ ، وهو يقلب المعادلة ، إلا أنّه لا يسمح لنا - قبل ظهور دليل حجيّة الظنّ الظهوري - بأن نقول بأنّ القرآن الكريم منع عن الظنّ وأسقط حجيّته ، بل غاية ما يسمح لنا هو أنّ الظنّ ليس بحجّة ؛ لعدم قيام الدليل على حجيّته مثلًا ، وعدم إمكان جعل الحجيّة له إثباتاً وفق المتوفّر لنا من النصوص ؛ لأنّ جعلها يلازم بطلانها ، وهذا غير قيام النصّ القرآني بسلب الحجيّة عن الظنّ كما هو واضح من كلام من أراد الاستدلال هنا بهذه الآيات الكريمة ، وإن التقيا في تحقيق النتيجة عينها . ولهذا لو قيل بقيام الدليل على حجيّة الظنّ الدلالي في نصوص السنّة الشريفة فقط ، لم يعد يمكن الاستناد للمحاولة النقديّة التي قدّمها الرازي الإصفهاني . ثالثاً : بما ذكره صاحب الفصول ، من أنّ المتبادر من النهي عن العمل بالظنّ - على تقدير كون هذا النهي ظنيّاً - هو النهي عن العمل بما عدا هذا الظنّ ، بل إنّ تعميم حكمه لنفسه يوجب اللغو الممتنع صدوره عن الحكيم . على أنّ المقصود ليس منع حجيّة كلّ ظنّ ، بل الظنّ غير الكتابي أو الظنّ الحاصل من خبر الواحد ؛ لقيام الإجماع على حجيّة الظنّ المستند إلى ظاهر الكتاب في حقّ المجتهد ، حيث لا يُعارضه ما ثبت حجيّته عنده ، كما هو الشأن في كلّ حجّة ظاهريّة « 2 » . وسيظهر بعض التعليق على ما أفاده صاحب الفصول في ملاحظتنا القادمة ، فانتظر . رابعاً : إنّ هذه المناقشة ، وبعض من الأجوبة عليها ، تقوم على فرضيّة أنّ النهي عن اتباع الظنّ أمرٌ ظهوري ظنّي من هذه الآيات . وهو أمرٌ لا نسلّم به ، بل نحن ندّعي بأنّ فهم النهي عن اتباع الظنّ من هذه الآيات واضح جليّ . نعم ، يحتمل أنّ فهمنا هذا غير

--> ( 1 ) انظر : المصدر نفسه 3 : 340 . ( 2 ) راجع : الفصول الغرويّة : 288 .