حيدر حب الله
190
حجية الحديث
في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم ، بل هو من أفراد العمل بالعلم ؛ لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع ؛ لما قد جرت على ذلك طباعهم واستقرّت عليه عادتهم ، فهو خارج عن العمل بالظنّ موضوعاً ، فلا تصلح لأن تكون الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم رادعةً عن العمل بخبر الثقة ، بل الردع عنه يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص « 1 » . ولعلّ هذا هو مراد جمع من أصوليي أهل السنّة من أنّ العلم يطلق على غلبة الظنّ وحكم الظاهر ، فيشمل مثل أخبار الآحاد كما أفاده الجصّاص وغيره « 2 » . وربما هو المراد ممّا نقله الآمدي ( 631 ه - ) عن بعضهم ، من أنّه حيث نهت الآيات عن اتباع الظنّ ، عنى ذلك أنّ الإجماع على خبر الواحد كاشفٌ عن إفادته العلم « 3 » . وهذا الكلام ينافي المحاولة السابقة التي طرحتها مدرسة الميرزا بالجعل التعبّدي لعلميّة الخبر ، فإنّ الميرزا هنا يستبق الجعل الاعتباري التشريعي لعلمية الخبر بجعل عقلائي لذلك ، لكنّه بذلك ينسف - من حيث لا يشعر - أساساً هامّاً ؛ لأنّ كلامه إقرار بأنّ العقلاء يرون ويتعاملون مع الخبر الآحادي بوصفه علماً واطمئناناً ، ولا يلتفتون إلى احتمال الخلاف ، فكيف تكون سيرتهم - كما سيأتي بحول الله - دليلًا على حجية الخبر الظنّي غير الاطمئناني ؟ ! وكيف جعلها الميرزا هناك عمدة الأدلّة ؟ ! وبعبارة أخرى : إن كان مراد الميرزا من الخبر الظنّي خصوص الاطمئناني في مقابل العلم الجازم ، فنحن نوافقه ونقبل بذلك ، ونرى هذا الخبر الظنّي الاطمئناني من العلم واليقين في اللغة ، أمّا لو قصد ما يعمّ الخبر الظنّي غير الاطمئناني ، كما هو ديدن العلماء في بحوثهم هنا ، فهذه المناقشة منه هنا تُبطل كلامه نفسه كما هو واضح . وسيأتي أنّ
--> ( 1 ) فوائد الأصول 3 : 195 . ( 2 ) انظر : الجصاص ، الفصول في الأصول 3 : 90 - 91 . ( 3 ) انظر : الآمدي ، الإحكام 2 : 35 .