حيدر حب الله
28
بحوث في فقه الحج
وإن تولاها هذا المذهب أو ذاك ، أو هذه الجماعة السياسية أو تلك ، أو هذا الزعيم أو ذاك ، أو هذه الدولة أو تلك . فعندما أدخل المسجد الحرام فأنا أدخل مسجد الله ومكان عبادته ، ولا أدخل مسجداً سلفياً أو سعودياً أو عربياً ، وهكذا عندما أدخل الحرم الرضوي في مدينة مشهد في إيران ، فأنا لا أدخل مشهداً شيعياً ولا إيرانياً . . . نعم ، هذا المعنى للتسييس مرفوض ؛ إنّه استغلال لبيت الله وللعبادات وليس استخداماً له فيما فيه نفع الدين ، فعلينا أن لا نخلط بين علاقة العبادة بالسياسة والاجتماع ، وبين هذه المعاني الضيّقة للسياسة . ب - تغييب الدور الروحي للعبادات ؛ فعندما نتحدّث عن علاقة العبادات - ومنها الحج - بالسياسة والاجتماع الإسلاميين ، فهذا لا يعني تغييب أو إضعاف الدور الروحي للعبادات ؛ حيث يفترض أن لا يكون هذا على حساب ذاك ، ولا ذاك على حساب هذا ، بل يفترض تحقيق التوازن الذي يضع كلّ واحدة في موضعها ؛ تفادياً لأيّ إفراط أو تفريط . وبهذا يتبين أن اتجاه علمنة العبادات ليس اتجاهاً صائباً عندما يؤخذ على إطلاقه . 2 - الحج واتجاه الاعتدال بين الحقّ والخلق الاتجاه الثاني : وهو الاتجاه الذي يرى أن للعبادات وجهين : أحدهما روحي غيبي في اتصاله مع الله سبحانه ، وثانيهما اجتماعي - سياسي في علاقته بالخلق ، وأنه لا يصحّ تجاهل أحد الوجهين لصالح الآخر ، بل يفترض إيجاد التوازن بينهما . وطبقاً لهذا الإطار العام الذي يحكم العبادات ، يجري تطبيق المفهوم عينه على الحج ، فللحج بُعد سياسي ووحدوي واجتماعي كما يقول الشيخ محمود شلتوت « 1 » ، ونجد ما ينصر هذا البعد في آيات القرآن الكريم ، قال تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ . . . ) « 2 » ، فكلمة « قياماً » لها دلالة على مكانة
--> ( 1 ) . محمود شلتوت ، من توجيهات الإسلام : 403 . ( 2 ) . المائدة : 97 .