حيدر حب الله

210

بحوث في فقه الحج

ومن الواضح أن الأمر في هذه الآية مؤكّد ، ولو بلحاظ « أشدّ ذكراً » ، وقد نقل المفسّرون أن العرب كانت - بعد قضاء المناسك - تتفاخر بآبائها ورجالها ، فأراد الله سبحانه أن يستبدل ذلك بذكره ، فأمر بذلك في هذه الآية الكريمة « 1 » . وهذا ما يؤكّد أنّ القضية لم تكن صلاةً واجبةً يومية أو أمراً عابراً ، بل ظاهرةٌ ذُكْرِية ودعائية ملحوظة ، مطلوبةٌ من الشارع تعالى . الوجه الرابع : قوله تعالى بعد ذلك : ( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ . . . ) ، وهي أيام منى ، كما أشرنا سابقاً ، وهي دالّة - بظاهرها - على لزوم ذكر الله فيها سواء كانت يومين أم ثلاثة ، وحالها كحال الأدلّة السابقة ، وقد بيّنا سابقاً تقريب الاستدلال بها ، وردّ الملاحظات على ذلك . والملفت في هذه الآيات الأربع تكرّر الأمر فيها ، بلغة تشديدية قلّما وجدناها بهذه الصورة التكرارية في النصوص الكتابية ، مما يوجب الجزم بالوجوب حتى لو كان كل واحدٍ منها لو لم ينضم إليه الآخر مشكوك الدلالة ، وهو ما لا نسلّمه ، ومثل هذه الدلالة القرآنية الحاسمة لا يمكن اختزالها في الأذكار الواردة في الصلاة أو على الذبيحة أو ما شابه ذلك ، كما لا يمكن رفع اليد عن دلالتها الحاسمة برواية أو روايتين ما لم توجب الوثوق ، فالمرجع هو النص الكتابي . وقد كنّا أجبنا عن سلسلة الملاحظات المسجّلة على بعض الآيات المشار إليها ، وخلصنا إلى أنّه لا موجب لرفع اليد عن ظهور الوجوب في الآيات الكريمة .

--> ( 1 ) . راجع قصّة المفاخرة عند الأردبيلي ، زبدة البيان : 357 ؛ والطبرسي ، مجمع البيان 2 : 529 ؛ وابن الجوزي ، زاد المسير 1 : 215 ؛ والكاشاني ، الصافي 1 : 217 ؛ والطبري ، جامع البيان 2 : 296 - 297 ، 298 ؛ والفخر الرازي ، التفسير الكبير 5 : 183 ؛ والطوسي ، التبيان 2 : 170 ؛ والقرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 2 : 431 ؛ وأبي بكر الجصاص ، أحكام القرآن 1 : 315 ؛ وابن كثير ، تفسير ابن كثير 1 : 244 ؛ وابن أبي جامع العاملي ، الوجيز 1 : 174 ؛ والطباطبائي ، الميزان 2 : 80 ؛ وأبي الفتوح الرازي ، روض الجنان 3 : 130 ؛ ورشيد رضا ، المنار 2 : 235 ؛ ومغنية ، الكاشف 1 : 306 ؛ والصادقي ، الفرقان 2 : 201 ؛ والشوكاني ، فتح القدير 1 : 204 ، 206 ؛ والسيوطي ، الدر المنثور 1 : 557 - 558 ؛ والواحدي النيشابوري ، أسباب النزول : 39 و . . .