حيدر حب الله

21

بحوث في فقه الحج

للعبادات منهج الرجوع إلى القرآن والسنّة كلّ حسب نظريته واجتهاده ، فلتحترم هذه الاجتهادات ولا يتم التعامل مع من يسير وفقها على أساس أنّه فاسق أو يجب أن يعدل عن موقفه لصالح اجتهاد فقهي آخر . . وأعتقد أن القيمين على الحرمين الشريفين وعامة الأماكن المقدّسة في بلاد المسلمين الأخرى يمكنهم أن يستفيدوا من تجربة الإمام مالك بن أنس ( 179 ) عندما عرض عليه الخليفة العباسي أن يجعل كتابه « الموطأ » كتاباً قانونياً مرجعياً ملزماً للمسلمين في الآفاق والأقطار ، فأجابه بوجود آراء واتجاهات ، وكل واحد له عمله وفضله « 1 » . نحن لا نقف هنا عند حدود أن يحترم القيمون على الأماكن المقدسة في الحج والعمرة والزيارة أفكار واجتهادات المذاهب الإسلامية الأخرى . . ما دامت هذه الاجتهادات تحتكم لكتاب الله وسنّة نبيّه . . بل وأيضاً أن لا يتمّ التعاطي في موسم الحج والعمرة مع أتباع المذاهب الأخرى ومقلّدي مفتين آخرين بمنطق من يريد أن يهديهم للحق والدين ، وكأنهم خارج إطار الإسلام ، فمن أراد أن يهدي المسلمين فعليه أن يفعل ذلك بالوسائل المنطقية الأخلاقية الهادئة غير المتشنّجة ، لا أن يلاحق الناس ويتهمهم بالشرك والكفر والضلالة والفسق والانحراف هنا وهناك ، حتّى أن الحاج عندما ينتمي إلى بعض المذاهب لا يشعر بالأمان منذ دخوله بلاد الحجاز الكريمة الطيبة ، كأنّه مستهدف في دينه وأخلاقه ! ! إن هذه الطريقة في هداية الناس من أشدّ الطرق تمزيقاً للمسلمين وتخويفاً لهم ، فخدمة الحرمين الشريفين تكتمل وتتمّ بخدمة حجاج هذين الحرمين وزوارهما ، لا بالتعامل مع هؤلاء الحجاج بمنطق التكفير والتخوين و . . . مع تقديرنا التام واحترامنا الكامل للجهود الطيبة التي قامت وتقوم بها غير جهة في المملكة العربية السعودية ، حكومة وشعباً ومؤسّسات ، لخدمة الزوار والحجاج ، لكن هذا لا يمنع على الدوام من

--> ( 1 ) . انظر القصّة ولها عدّة صيغ بعضها لا يدل على رفض مالك في : الرازي ، الجرح والتعديل ( مقدّمة المعرفة ) 1 : 12 ؛ والذهبي ، تاريخ الإسلام 11 : 321 ؛ وتاريخ ابن خلدون ( المقدّمة ) 1 : 17 ؛ ووضوء النبي 1 : 354 .