حيدر حب الله

172

بحوث في فقه الحج

وهذا التعبير ذو دلالة واضحة على أنّ الجمرة كانت بالإمكان الوقوف فيها ورميها من طرفٍ لآخر ، ويؤيّده نصّه الآخر في كتابه « المجموع » : « والمراد ( من الجمرة ) مجتمع الحصى في موضعه المعروف ، وهو الذي كان في زمان رسول الله عليهماالسلام . . . » « 1 » . وهذا النصّ الفقهي من أقوى النصوص الدالّة هنا ، إلّا إذا قيل - رغم أنّ النصّ دلالته هذه المرّة أضعف - أنّ الجمرة عنده هي مجموع العمود ومجمع الحصى ، ومن هنا كان بالإمكان رمي الطرف الآخر . وعلى أيّة حال ، فلم يقم نصّ فقهي حاسم عدا نصّ النووي المعتدّ به ، وأمّا النصوص الفقهيّة المتأخّرة ككلمات الشيخ النجفي فلا يرجى من البحث فيها كثير فائدة بعد ما قدّمناه . دراسة لغوية في كلمة « الجمرة » أحد الأدلّة التي استدلّ بها القائلون بأنّ الجمرة هي الأرض ومجمع الحصى ، كان الدليل اللغوي ، حيث نصّ اللغويّون على أنّ الجمرة هي موضع الحصى ومجمعه ، ولم يأت اللغويّون على ذكر العمود كمعنى للجمرة ، وإذا ضممنا ذلك إلى أنّ الجمرة ليست من الألفاظ ذات الحقيقة الشرعية أو المتشرّعية ، ثبت أنّ المرجع في تحديدها هو مصادر اللغة وما تحدّده الكلمة من مدلول في الفهم العربي العام ، وبهذا يثبت أنّ الجمرة هي موضع الحصى لا العمود « 2 » . وقد ناقش البعض في هذا الاستدلال من وجوه : أوّلًا : إنّ الجمرة صارت علماً بالغلبة على العمود كما هو المتبادر منها اليوم ، ومعه فالأصل اللغوي لا يكون مرجعاً بعد ذلك « 3 » . ويناقش : بأنّ كونه علماً بالغلبة اليوم على العمود لا يفيد شيئاً ، ذلك أنّنا نريد معرفة مدلول الكلمة في ألسنة الروايات حتّى نحدّد بذلك موضوع الحكم الشرعي ، وأوّل

--> ( 1 ) . المصدر نفسه : 37 - 38 . ( 2 ) . المصدر نفسه : 45 - 46 . ( 3 ) . ميقات حجّ ( فارسي ) ، العدد 42 : 59 .