حيدر حب الله
90
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
إلا أنّ البحث الفلسفي والكلامي عند الاتجاهات الدينية قد بيّن - ومنذ قرون بعيدة - أنّ القضيّة ليست كذلك ، فعندما نقول بأنّ الله هو سبب سعة رزقي أو ضيق الرزق الذي عرض عليّ ، فهذا لا يعني أنّه السبب المباشر بالضرورة ، بل يعني أنّ تمام الأسباب والمؤثرات المولّدة لهذه الظاهرة ترجع في نهايتها إلى الله تعالى أو يُعتبر الله محيطاً بها ، ولهذا نجد بعض الفلاسفة يعبّرون عن الله بأنّه علّة العلل والسبب الأوّل والمحرّك الأول وغير ذلك من التعابير التي تنسجم مع وجود وسائط في النظام السببي في العالم ، فالله يدير العالم بواسطة شبكة معقّدة للغاية من الأسباب والعلل والمحرّكات التي تنتهي حلقاتها به تعالى ، إذا أردنا استخدام لغة الفلاسفة المشائين أو لغة الكثير من المتكلّمين المسلمين وغير المسلمين . ولعلّ هذا هو الذي يفسّر إيمان الكثير من علماء الطبيعة حتى في العصر الحاضر بوجود الله تعالى ؛ فهم لم يشعروا بأيّ تناقض بين الاكتشافات العلمية التي قدّمتها علومهم من الفيزياء والفلك والكيمياء والطبّ والأحياء وغيرها ، وبين إيمانهم بوجود الله ، بل إنّ هؤلاء اعتبروا أنّ تقدّم الاكتشافات العلميّة عزّز من فكرة وجود الله تعالى وأعاق إنكاره . ب - إنّ الفلسفة الدينيّة لا تتعامل مع قضيّة الله من حيث بدايات الأشياء بالمعنى العلمي المعاصر ، فنحن عندما ندرس ظاهرةً ما نخوض في منشئها لنعرف النقطة أو اللحظة الأولى لولادة هذه الظاهرة . والعلم يبرع بمختلف فروعه في هذا المجال أيضاً ، ومن هذا النوع البحث عن سبب الكون من خلال بدايته ، فبصرف النظر عن أنّ النظريات التي قيلت عن بداية الكون هل هي قطعيّة يقينية أو ظنون وتخمينات ونظريات غير حاسمة بعدُ ، فإنّ العقل الإلحادي يتصوّر أنّ البحث عن الله يجب أن يكون عند نقطة بداية وجود