حيدر حب الله
75
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
المحدّثين والفقهاء والمفسّرين - بهدر حرمة النصوص واستخدام نهج التأويل المفرط المتعالي عن أيّ قاعدة لغويّة أو تفسيريّة ، الأمر الذي يفتح باب المزاجيّات ، وكلّ شخص يقول لك بأنّني انكشف لي معنى من هذه الآية لم ينكشف لك ، وإذا طالبته بمرجعيّةٍ نحتكم إليها من لغةٍ أو عقل ، قال لك بأنّ فهم العارف متعالٍ عن اللغة والمجاز والأدب وغير ذلك ، ولا يُطالَب بالدليل ، وقَدَمُ الاستدلال خشبيّة ، فيصفّفون لك عشرات التفاسير التطويعيّة والتأويليّة التي لا شاهد لها من كتابٍ أو سنّة ، وإنّما يُخضعون النصوص إخضاعاً فجّاً لها . . إنّ التيار النصّي ( فقهاء مفسّرون ومحدثون ) يبدون قلقاً كبيراً إزاء ما يعتبرونه تلاعباً في النصّ الديني بطريقة غريبة جداً ، وهم إذ يرون أنّ المتكلّمين والمفسّرين والمحدّثين ساهموا في ذلك أيضاً ، إلا أنّهم يظلّون أفضل حالًا بكثير من العرفاء والمتصوّفة . ونظرة عابرة على أعمال ابن عربي وسيد حيدر الآملي تكشف هذا الواقع الرهيب ، فالمتكلّم عندما أوّلَ اعتمد نظريّة المجاز وقدّم رؤية في فهم النص ، أمّا العارف فرؤيته هي نفس ادّعاءاته غالباً ، وقد لا تجد عنده برهاناً تفسيريّاً بقدر ما تجد عنده تخرّصاً في تأويل النصوص ، فقوله تعالى : ( قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ) يصبح على علاقة بالحجب النورانيّة والظلمانية ، وقوله تعالى : ( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ) يصبح معنى الأرض هو النفس الإنسانيّة وليس هذه الأرض ، وقوله تعالى : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ ) يصبح معناه القلب الفاسد ، وهكذا دون أيّ محكمة يمكن الرجوع إليها والاحتكام بين يديها ولو كانت هي الأحاديث الصحيحة المعتبرة ، وإنّما يسندون ذلك لأنفسهم وكشوفاتهم ، الأمر الذي يفتح على فوضى غير متناهية . إنّ هذا الأمر يسبّب قلقاً كبيراً للتيار النصّي التفسيري المتمثل بعدد كبير من الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين .