حيدر حب الله

30

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

بهذا المقدار من المعطيات أن أقول : إذاً فعلم النفس التحليلي الفرويدي شيء يختلف عن الواقع ؟ هل هذا صحيح ؟ وهل كلامي بهذه الطريقة منطقي أو أنّني وقعت في قفزة ولو جزئيّة ؟ لاحظوا معي أنّ الفكرة تريد أن تقول لرجال الدين بأنّ فهمكم للدين قد لا يكون متماهياً مع الدين نفسه ، فعليكم أن لا تقدّموا فهمكم على أنّه الفهم النهائي وأنّه الدين بنفسه وتمامه لا غير ، وعلى أنّه التفسير الحصري الوحيد . . هذا كلام صحيح ، ويبقي الباب مفتوحاً أمام الاجتهادات على سعتها ورحابتها ، لكنّ هذا الكلام لا يمكن من خلاله أن أقول لهم في جملةٍ ثانية : إنّ فهمكم للدين غير الدين . . إذاً فأنتم لستم الدين . إنّ الجملة الثانية هذه تختلف عن الجملة الأولى ، والجملة الأولى لا تنتجها ، ففي الجملة الأولى اثبِت إمكان التغاير ، لكنّني في الجملة الثانية أثبت واقعيّة التغاير . ولنا أن نعبّر بتعبير آخر : في الجملة الأولى اثبتُ التغاير النسبي ( الجزئي ) ، وفي الجملة الثانية أنا اثبتُ التغاير التام الكلّي . غيّروا التعابير لنكتشف سويّاً أنّ هناك خطأ ما قد حصل : افرضوا أنّ مكان كلمة ( الدين ) توجد كلمة ( الحقيقة ) ، الآن نحن نقول للبشر : إنّ فهمكم للحقيقة قد يطابقها وقد لا يطابقها ، فلا تدّعوا احتكار الحقيقة . . لكنّ هذه الجملة لا تعني : إنّ فهم البشر للحقيقة ليس هو الحقيقة دائماً وأبداً ؛ لأنّ الفكرة الأولى لا تولِد من رحمها الفكرةَ الثانية إلا بمعنى أنطولوجي يتفق عليه الأكثر ، وهو إنّ الحقيقة واقع عيني خارجي بينما فهمي للحقيقة واقع ذهني في أفق عقل الإنسان ، وهذا صحيح إلا على بعض النظريّات الفلسفيّة التي ترى التماهي حتى بالمعنى الوجودي ، ومجال شرحه غير مناسب هنا . والنتيجة : إنّ فتح باب إمكان اللاتطابق بين المعرفة والواقع ، لا يساوي وقوع