حيدر حب الله

286

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الاقتراب منه يكون آكد - في لغة العرب وفي اللغة العرفيّة أيضاً - في التحريم والمنع ، مثل النهي عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ( الأنعام : 152 ، والإسراء : 34 ) ، والنهي عن اقتراب المشركين من المسجد الحرام ( التوبة : 28 ) ، والنهي عن الاقتراب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( الأنعام : 151 ) ، والنهي عن الاقتراب من الصلاة حال السكر ( النساء : 43 ) . ومن هذا الباب الأمر باجتناب الشيء ، فهو تعبير بليغ أكثرَ تأكيداً من تحريمه ، كما ورد في تحريم الخمر بصيغة : ( . . فَاجْتَنِبُوهُ . . ) ( المائدة : 90 ) . فأنت عندما تريد أن تبالغ في تحريم الشيء ونهي الآخر عنه تقول - بدل : اترك التدخين - : لا تقرب التدخين ، وتريد بذلك نهيه عنه وحثه على الابتعاد عنه نفسه ، ولهذا ألمح غير واحدٍ من الفقهاء والمفسّرين في مثل هذا التركيب إلى أنّ النهي عن الاقتراب من الزنى أو غيره مبالغة في النهي عن الشيء نفسه ، وليس المحرّم هو الاقتراب ، بل المحرّم هو نفس الفعل الذي هو الزنا أو دخولهم المسجد الحرام أو أكل مال اليتيم ظلماً وعدواناً أو فعل الفواحش . وبناء على هذا الفهم للنهي عن الاقتراب من الشيء ، لا يكون في هذه الآية ما يشير إلى موضوع بحثنا ؛ فإنّ المحادثة بين الرجال والنساء والممازحة والعلاقات العاطفيّة العفيفة مهما كانت ليست زنى بالمعنى الشرعي عند جمهور فقهاء المسلمين . المعنى الثاني : أن يكون النهي عن الاقتراب من الزنى تعبيراً آخر عن دعوة الإنسان لكي يتجنّب كلّ شيء يفضي دائماً أو غالباً وفي العادة إلى الزنا ، بحيث يصبح الإنسان معه على قاب قوسين من وقوعه في هذه الفاحشة ، أو هو نهيٌ عن الاقتراب من المراتب الضعيفة لتنشيط الغريزة وتحقيق الاتصال الجنسي بين