حيدر حب الله
264
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
المجتمعات الغربيّة لا تعني في الغالب سوى وجهات نظر شخصيّة فردية خاصّة . إذا قال شخص اليوم بين العرب والمسلمين : أنا تركت الإسلام والعروبة وأؤمن بالصهيونيّة ، و ( هاجر ) إلى الكيان الغاصب وأخذ جنسيّةً ( إسرائيليّة ) وانتمى لذلك المجتمع ، فإنّه من المنطقي في ظلّ حالة الصراع القائمة اليوم أن نعتبره خائناً ونصنّفه في عداد الأعداء ؛ ليس لأنّ ترك الدين هو عدوانيّة بالضرورة ، ولا لأنّ الحصول على جنسية بلد آخر هو عدوانيّة بالضرورة ، بل لأنّ السياق التصارعي في المنطقة يقوم على ثنائية العروبة والصهيونية أو الإسلام والصهيونية مثلًا . وهذا يعني أنّ قواعد الانقسام السياسي في المجتمع العربي بعد البعثة قد تغيّرت تماماً ، فلم تعد بين قبيلة وقبيلة فقط ، بل بين مجموعة القبائل وحركة دينية جديدة تخلّت عن انتمائها القبلي بوصفه الانتماء الأوّل والأخير في حياتها . من هنا ، نجد أنّ القرآن الكريم يتحدّث دوماً عن الكافرين بصفتهم أعداء الإسلام الذين يحاربونه ، ولا يألون جهداً في الإضرار به وبجماعة المؤمنين ؛ لأنّ هذه هي الحقيقة التاريخية التي كشفت عنها مواقف وسلوكيات قريش منذ اللحظة الأولى للبعثة ، من التضييق والحصار والأذية والتعذيب والقتل والطرد من الوطن ، إلى إعلان الحرب والغارة ومحاولة غزو المدينة المنوّرة أكثر من مرّة في معركة أحد والأحزاب . هذا السياق كلّه هو الذي نجده واضحاً في توصيفات القرآن للكافرين الذين يتحدّث عنهم ، ولهذا عندما يشير للكافر الذي لا يتعرّض للمؤمنين فهو يدعو للبرّ به والقسط إليه والتعامل معه والوفاء بالعهود والعقود معه ، ويسمح بدخوله بلاد المسلمين فيعطيه الأمان ؛ فلو كانت المشكلة