حيدر حب الله

254

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ) ( النساء : 11 ) ماذا تفيد هذه الآية ؟ هل تفيد الوجوب أو الاستحباب لإعطاء الذكر مثل حظّ الأنثيين ؟ * لست أدري أيّ المنطلقات هي التي دفعتكم إلى التساؤل حول دلالة الآية الكريمة على إلزامية قوانينها في الإرث ؛ لأنّ المناقشين في هذا الموضوع متعدّدون ، ولكل واحد منهم منطلقُه ؛ لكنّني سأفترض أنّ الذي دفعكم للسؤال هو كلمة ( يوصيكم ) ؛ من حيث إنّها لا تحوي دلالةً إلزامية حاسمة ، فلم يقل : ( يأمركم ) أو نحو ذلك مما يوحي بالإلزام ، بل قال : ( يوصيكم ) ، وهو ما يوحي بأنّه نوعٌ من التوجيه الأخلاقي ، كما ذكره بعض الناقدين . وسأقتصر في جوابي على هذا الجانب ؛ لأنّ آيات الإرث توجد جوانب عدّة تثار حولها في قضيّة الإلزام والتاريخيّة وغير ذلك . ولعلّ الصحيح هو أنّ كلمة ( يوصيكم ) هنا لا تبطل استفادة العنصر الإلزامي القانوني ، انطلاقاً من عدّة عناصر ملتقية ، أذكر أبرزها : أ - إنّ كلمة ( يوصيكم ) تدلّ في اللغة على العهد . وصّى فلان فلاناً بكذا وكذا أي عهد إليه ( انظر : لسان العرب 15 : 394 - 395 ) ، وذكر الراغب الإصفهاني أنّ الوصية تدلّ على التقدّم إلى الآخر بشيء يعمله الآخر مقترناً ذلك بالوعظ ( المفردات : 873 ) ، ففيها طلب شيء من الآخر ، بصرف النظر عن النقاش مع الراغب الإصفهاني في ضرورة شرط الوعظ ، إذ قد يقال بأنّه لا شاهد عليه من كلام العرب كما قيل . وهذا يعني أنّ هذه الكلمة كما تحتمل إلزام الآخر بفعلٍ مع قرن هذا الإلزام بوعظ ، كذلك تحتمل - على أبعد تقدير - عدم الإلزام ، فلا دلالة