حيدر حب الله
211
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وهذه الأمور التي تقع خلف هذه الظواهر ويمكنها أن تُفهمنا هذه الظواهر ، هي الآخرة ، فعندما تفهم الآخرة فهماً جيّداً فإنّ ما كنت تراه من ظواهر في الدنيا لن تفهمه بنفس الطريقة ، بل ستفهمه بعمقه وروحه ، فالآخرة ليست باطن الدنيا في الآية ، بل تريد الآية أن تقول بأنّ غفلتهم عن الآخرة جعلتهم لا يرون من الدنيا سوى ظاهرها ، دون أن يفقهوا ملكوت السماوات والأرض وأسرارهما وغاياتهما ، فمثلًا أنت تنظر تارةً للمرض على أنّه ظاهرة معيّنة في الجسم ، وأخرى تفهمه بطريقة مختلفة ، وهي أنّه ابتلاء وامتحان ، وأنّه المقدّمة لتكامل النفس لتحصيل الآخرة السعيدة . إنّ الفهم الأوّل هو فهمٌ ظاهري ، فيما الفهم الثاني هو فهم باطني عميق يغوص في الظاهرة بأبعد من مجرّد متابعة شكلها الخارجي . وعليه ، فبناء على هذا الافتراض الثاني ، لا تكون الآية دالّةً على كون الآخرة باطن الدنيا ، بل دالّةٌ - بالقدر المتيقّن - على أنّ الغفلة عن الآخرة يجعلك لا ترى من الدنيا إلا ظاهرها ، وفرقٌ كبير بين الحالتين ، ولهذا نحن في الثقافة الدينية نقول بأنّ المؤمن يفهم الحياة الدنيا بطريقة مختلفة تماماً عن المنكر للآخرة ، فالآخرة ليست حدثاً سيأتي وعليك أن تؤمن به فقط ، بل الآخرة هي فهم جديد وعميق للدنيا وفلسفة وجودها ، وهذا هو الفرق بين المؤمن بالآخرة والمنكر لها في نظرتهما للدنيا ، كما تحدّثتُ عن ذلك في مقالتي حول الدين والإلحاد ( مجلّة نصوص معاصرة ، الأعداد 30 - 33 ، لعام 2013 - 2014 م ) . والمقدار المتيقّن من الدلالة في الآية هو الافتراض الثاني ، ولا أقل من كونه يربك إمكانيّة الاستدلال بالآية لصالح ما طرحه العلامة الطباطبائي وبعض العرفاء . فلا تعني الآية بالضرورة : إنّهم يعلمون ظاهر الدنيا وهم غافلون عن