حيدر حب الله

14

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

يلاحظ - من موقع خبرته - الفرضيات التي تملك إمكانيّات علميّة ، وكلّما كان العالم خبيراً بالفرضيات الممكنة وقوعاً كان بحثه أكثر شموليّة وقوّة ، أمّا لو أراد أن يأخذ فرضيّات مفتوحة على المطلق الذي لا نهاية له ، فإنّه من الصعب بعد ذلك تكوين أيّ فكرة علميّة ؛ إذ سيصبح ذلك مساوياً للشكّ في كلّ العلوم على الإطلاق . هذا في الطبيعيات ، فما بالك بالعلوم الإنسانيّة المفتوحة بطبعها على فرضيات أكثر . هل اكتشف العلم تمام أسرار جسد الإنسان حتى يدلي بدلوه في مجال الطبّ وأمثاله ؟ ! هل اكتشف العلم تمام أسرار البيولوجيا حتى يقدّم نظريات وقوانين علميّة نافعة في هذا المضمار ؟ ! هل اكتشف مؤرّخٌ ما كلّ حقائق التاريخ وأسراره وما وقع في غابر الأزمنة حتى يدّعي ثبوت قضيّة تاريخيّة ولو واحدة ؟ ! فهل يعرف كلّ الحقائق المحيطة بهذه القضيّة التاريخيّة ؟ ! إنّ القضيّة لا تتصل بمعرفتنا بتمام أسرار الكون ، بل تتصل بمعرفتنا بالأمور الكونيّة التي تتعلّق جذرياً بموضوع خالق الكون ، وعلينا تمييز هذه الأمور ، فهل معرفتنا بمقدار طول جناح البعوضة له دور في معرفتنا بخالق الكون أو لا ؟ يجب أن أحدّد مسبقاً أيّ الأمور المتصلة بمعرفة الكون ذات صلة مُتَرَقَّبة بموضوع علّة هذا الكون وسبب وجوده . هذه هي الطريقة المرعيّة الإجراء في مختلف العلوم . وكما أنّ العلوم تنطلق مما يتوفّر لها من معلومات - مع عدم اكتشافها كلّ حقائق العالم - فتصل إلى يقين ، ما المانع أنّ ينطلق الفيلسوف مما توفّر له من معلومات حول العالم والكون فيجد هذا المقدار من المعلومات يؤهّله لتكوين دليل علمي موصل لليقين ، فيصل بالفعل إلى اليقين ؟ ! فالمهم دراسة دليله